القصة القصيرة جدا

المهديـّـة

هذه الساحرة التي تسحر أول ما تسحر.. تسحر قلمها، في الليل تأخذه حيث الجبال الشاهقة مستلقية على الرمال تغني، حتى القمر خشى في هذا السكون أن يطلّ كاملا من عليائه..
بعد غناء طويل مبحوح، أخذت تلقّنه القصّة بهدوء ودلال لطفل فصيح، تدرك أنه وقت الجمع يبهرهم بفصاحته ولسانه الحلو..
ـ هيييه.. أكتب ما أمليك على جدار الغيب..
كانت فتاة مبهرة، تذهل الرجال في خصالهم، كما أن قديما الغلمان أقرانها حمدوا الله على أنها شبّت عن الطوق؛ فمنعت..
عاندت أباها في فترات القيلولة، من النافذة تحكي لهم قصّة الجان المؤنس الذي يتخفّى بين الناس، بإرادة كالحديد، وقوة تدهش البعض، وعينان كالبحر مغرق عميق، وموجات الغضب تدور في محجريها، كما القصر العتيق في طرف المدينة، في الليل يتصدّع، يصرخ كما الوحش، ثم ينهال كومة من تراب..
قطّ لم تمتنع، هي تناور جميع من في الداخل والخارج حتى تفعل كل ما تريد بكل حريّة..
كثيرا ما لمح طيفها بعض أهل القرية على ضفة النهر تسير وحدها ليلا والناس نيام، تسير في خطى ثابتة عجلة، كأنها على موعد محتوم، وعند العودة إن ظلّت بعض النظرات المرعوبة تنتظرها وتلاحقها.. تراها، وهي تخلع كل ملابسها كاملة وتهبط في النهر سابحة، وتلتف حولها الأسماك الكبيرة والدلفين يداعبنها وتداعبهم، وتطعم كل واحدة بثمة شيء تقطفه من فمها، ثم يتسابقون جميعا، وتسابقهم ولم يلحق بها أيّ منهم، يسبحون خلفها بشكل بيضاوي كبير، وعندما يبادر الفجر في اللّواح يختفون جميعا..
كان الأب يدرك، وبعض أولاد الأعمام والخالات ممن كان يماثلها، ويحفظ لها تاريخا طويلا في طفولته معها..
كان التفاهم والحديث بينهما أغلبه بالنظرات، عندما تتشابك العيون في حديث طويل عنيف به مدّ وجزر..
والأم كالعادة تولول على ضياع حظها معهما، تصرخ غالبا..
ـ البنت لابد لها أن تتزوّج.. مثلها مثل كل البنات.
ـ فلنؤجل الأمر حتى يأذن الله.
ـ الله لا يرضى بما تفعلانه.
عندما أطرقت؛ حدّثها..
ـ كانت لي مغامرة مع الليل والبحر وحكاياتهما الخفيّة.. ذات يوم ضاجعته، أو ضاجعتها وعندما وضعتك أخذتك لتلك العاقر.
خرجت في الليل ولم تعد، وعاشت في القصر منذ مئات السنين، والبعض جزم بأنها كانت تأتي وترمي إلينا بعض قصصها المسلّية، وأنا لم أجزم أنها ستأتي، أو سيأتي يوما!!.

السابق
صعود
التالي
قراءة تحليلية لنص “المهدية”

اترك تعليقاً

*