القصة القصيرة

الموظفة

دموع أمها المنفصلة هزت أركان احلامها , كل شيء أمامها اصبح معتم , بدأت تتساءل مع نفسها , هل هذا كابوس ام حقيقة .
لازالت تتذكر صوت صراخ امها وهي تذود عن نفسها وتدفع بيدها المرهفتين سيل الصفعات و الركلات من زوجها , طوال خمسة وعشرين سنة من ثمالة الاب وعربدته مع النساء انتهت بالمحكمة وفي سجل الاحوال الشخصية , مع كلمة ( مطلقة ) كأنها وصمة عار .
بدأت تكره الذهاب للكلية , أخوتها مازالوا صغارا , النفقة بالكاد تكفيهم بعد تقشف شديد جدا عن كثير من الامور التي يحتاجونها .
-أمي ساترك الدراسة و ابحث عن عمل أعينكم به .
لا تذكر ابدا أن امها ردت عليها بعد ان وجهت هذا الكلام لها , كانت غائبة عن العالم , تأن في احد اركان المنزل نادبة حظها العاثر .
تذكرت انها مرة سمعت زميلتها في الدراسة ان هناك اعلانات لفرص العمل تنشر في الجريدة , اقترضت الجريدة من جارهم ابو ايمن المولع بالرياضة لتبحث عن عمل فيها لها .
قلبت الجريدة بسرعة و لهفة شديدة جدا , وجدت في ركنها الاسف اعلان لمكتب يطلب فيه موظفة تجيد اللغة الانكليزية .
في صباح اليوم التالي تأبطت الجريدة متجهة نحو العنوان لتجد امامها مكتب مليء بالموظفين و الباحثات عن العمل , تقدمت نحو السكرتير و القت علية التحية بعد ان استفسرت عن الاعلان في الجريدة .
-سيدي , انا جئت اتقدم الى الوظيفة التي اعلنتم عنها في الصحيفة بالأمس .
ناولها سكرتير المكتب استمارة وطلب منها ان تدرج المعلومات في كل حقل و ترفق الاوراق المطلوبة بالاستمارة و تنتظر دورها في المقابلة .
جلست وسط مجموعة من المتقدمات الى هذا العمل , الخوف و الشك يحيط بها , تخاف ان تفوتها فرصة العمل , وهي تنظر ان الجميع من أمامها افضل منها جمالا و أناقة .
قطع تفكيرها صوت الموظف وهو يعلن عن اسمها , بكل قوة سارت نحو الباب الخشبي للمكتب الفخم حيث يجلس المدير .
جلست أمام المدير مباشرة وهو يقلب الاوراق و يقرأ الاستمارة , ينظر لها بعين ثاقبة من بين كل هذه الاوراق .
تتلذذ عيناه بالنظر من بعيد لها , طلب منه ان تنتظر, خرجت وجلست متسمره بمكانها .
الساعة تشير الى تمام الثانية عصرا , أنتهى موعد المقابلات , ستعلن النتيجة , اعصابه الجميع مشدودة نحو الباب الخشبي لمكتب المدير الفخم حيث تعلن النتيجة .
خرج موظف انيق في ملبسه , يبتسم يتحدث بلباقة و لياقة منقطعة النظير , حظ اوفر للبقية , و انتِ هي من تم الموافقة عليك لأشغال الوظيفة .
تركزت نظرات الحسد و التمنيات نحوها من البقية التي لم يحالفهن الحظ , وبعضهن تحدثن سرا انها حصلت على الوظيفة بالواسطة .
ناولها الموظف المكلف واشار عليها ان تملئ هذه الاستمارات الاضافية وان ترفق الصور الشخصية , وموعد المباشرة بالعمل الغد الساعة الثامنة صباحا .
لم تعرف كيف قطعت الشارع نحو الزقاق المجاور وصولا الى البيت , لم تشعر لا بالزمان ولا بالمكان , كأنها كانت مغيبة عن الواقع , الفرح جعلها تنسى ولو بصورة مؤقته ما اصابها , بسرعه نحو أمها المكسورة احتضنتها بقوة وهي تهمس لها بكلمات
-منذ الان يا أمي لن نحتاج احد غير الله , لقد حصلت على العمل .
هزت الام المنكوبة بهمومها برأسها وهي تتمتم بكلمات التبريك و التهنئة والدعاء لأبنتها بالتوفيق .
خرجت منذ الصباح الباكر مسرعة نحو العمل , فلم يعد النوم يعني لها شيء بعد , قضت ليلتها ساهره بالتأمل والاحلام و كيف تتفوق بعملها و تحصد ثمار جدها , خرجت مسرعة , فاليوم الاول رائع وجميل في كل شيء حتى وجوه الزملاء في العمل كانت طيبة ورائعة جدا وودودة .
وصلت للمكتب وباشرت في عملها الجديد , وبعد ايام بدأت الاعمال تنهال عليها , الموظفون جميعهم مشدودين لها , حتى المدير هو الاخر بدأ مهتم بها وبشكل غير اعتيادي .
حاولت ان تفسر الامر بالأبوة أشعت من قلوبها نحوها , بعد ان حرمها ابوها الحقيقي منها , لم يستمر هذا الحال , مع الايام بدأت تكتشف بان ليس جميع الزملاء رائعين , حتى المدير بدأ يضغط عليها بشكل قاسي جدا .
وبعد مرور شهرين على عملها في المكتب , استدعاها المدير وطلب منها ان تنجر له عملا اضافيا بعد نهاية الدوام , حاولت الاعتذار ولكنه رفض .
بعد الساعة الرابعة عصرا لم يعد في المكتب غير الفراش ( ابو علي ) والمدير وهي .
ارسل المدير الفراش ابو علي بطلبها لتريه انجازها بالعمل , نهضت مسرعة من مكتبها وهي تجمع باقي الاوراق المبعثرة على سطحه البارد , لأول مره في حياتها شعرت بالخوف الشديد كأنها نحلة سقطت في شبكة عنكبوت .
دخلت المكتب فرحب بها على غير عادته في اخر مره عندما كان غاضبا , ونهض باتجاه الباب لينظر هل هناك احد و ليغلقها , لم تنتبه لأنها كانت مشغولة في التدقيق بالأوراق وتتأكد ان كل شيء على ما يرام فهي لا تريد ان يكون هناك شيء يشوب عملها .
جلس امامها , امسك بيدها وهو يقول لها كلمات الحب و الغزل .
كاد يغمى عليها من هول الصدمة و الخوف .
-ما هذا يا استاذ , لا يجوز نحن في عمل , انا احترمك كابي .
رد عليها بغضب وعيونه يتطاير منها الشرر
-كلهن يقولن هذا في البداية , تعالي لحضني .
دفعته بقوه عن نفسها , قامت مسرعة نحو الباب تركض لتهرب , مدت يدها وكانت المفاجئة , الباب مقفل .
نهض هو الاخر مسرعا نحوها , وهو يردد
-أين تذهبين ؟؟! … تعالي .
-قف بمكانك سأصرخ بأعلى صوتي وافضحك .
-اسكتي ستفضحين نفسك اولا وليس انا .
-لا بل سأفضحك , جرب ان مددت يدك علي , افتح والا .
-والا ماذا ؟! .. سأفصلك من العمل واستقدم اخرى , وبصق بوجهها , وهو يقول اذهبي انت ( لست وجه نعمه ).
خرجت مسرعة وهي تركض نحو بيتها , كمن نجى من الموت بأعجوبة .
في اليوم الثاني انتشرت بالمكتب بين الموظفين القصص و الحكايات و الاقاويل عن هذه الموظفة وما حصل بينها وبين المدير من جلسة ماجنة .
بينما انكفئ المدير يكتب اعلان اخر عن حاجة المكتب لموظفة تجيد اللغة الانكليزية .

السابق
خُزعبِلات
التالي
المعاني الخفية

اترك تعليقاً

*