القصة القصيرة

المونولوج

يا العربي.. يا العربي نومك ثقيل ثقل الهموم..نومك ترسانة من سفن الهروب ودربك طويل..على إمتداد هذا الرصيف تتواصل سيمفونية الأحذية والهمسات ودردشة المارّة وعاصفة من القهقهات.
قم يا العربي!..نومك طال وأنت تحمل الحكاية..قم وأبدأ من جديد!..لا يهم فالوقت ليس صباحا..نعم نمت كثيرا..هاهو رفيقك عاد حيث تركك يهزّك هزّا وأنت في وديان غيبوبة..ينتشلك صوته:
-قم يا العربي..إنهض!
-أين أنت ؟!أين كنت؟!
-ياه يا صاح كنت هناك رقما مهملا في طابور طويل..قالوا لنا سجّلوا أسماءكم مع البطّالين قد تصطادكم شبكة إجتماعية..
هاهو يمضي ..يتركك وحيدا..نعم لست وحيدا ما زال هذا الجدار متكؤك ومنفاك ومهربك..

(آه يا جدار..يا رفيق المآسي..أنا وأنت.إفرنقع الجميع..تركوني اتلهّى بالحديث إليك..أعيد الحكاية من البدء..من أنا تسألون؟!..حسنا..أنا جئت من زمن الأولياء..من سديم الرؤى طلسم أنا..من الحاضرين لمجالس الوعدات والجذب..الباحثين عن سرّ السرّ..يا(صميده)* أعطني البكاء من أنين الكمان..أعطني أول الخيط والنفس الطويل من صدى النغمات الشاكيات..من أين أبدأ والبداية رحلة والرحلة جرح..)

-ما أكثر ما قلت وكانّك لم تقل شيئا*
من ايّ واد إلتقطت هذا البيت..من وادي الشعراء الهائمين على وجوههم..أعتقد أنّه “شيموس هيني”
-إسمك بين حروف النار والتراب..بين تعاويذ الكتب الصفراء وأصل الخيوط في كفّ القدر.
أنبأك قارئ السبحة في لقاء القبب قال:
-الرحلة فلك يفتح أمامه البحر والبرّ وقائده هدهد خبير بالدروب مأمور بالسير ومجدافه عصا تضرب الأرض.
إنهض يا العربي !..نومك ثقيل وهذا الحلم سراب والحكاية لا زالت في بدايتها.

(هل أبدأ من الصبا ..ها أنا ذاك الصبي المشرّد الهارب من الكتّاب وسوط معلمنا(سي علي بن بغداد)* يرسم خطوطا على ظهري وصوته رحمه الله يملؤني بالصدى..”اقّى أقّى يا كب(إقرأ يا كلب) وأصابعه تخيط بمهارة برنوسا..ها أنا سابح في المسبح بين أترابي..ها أنا أسطو على البساتين..ها أنا..كنت وكنت والآن أنا بينكم وورائي هذا الجدار..آه يا جدار لقد كنت نعم العون فلولاي ما كنت..كم من ظهر إتكأ عليك ؟.كم من شاب وشم صدرك بالذكريات..لو كنت أستطيع….)
-لو كنت تستطيع ماذا فعلت؟! هل كنت منحته جائزة(السعفة الذهبية) أو أدخلته لموسوعة (جينز).
-هذا أنت يا أحمد تعود..أين الصّحاب ممن ضمّ مجلسنا؟!
كنّا هناك في الطابور قالوا لنا هناك شبكة..عقود ما قبل التشغيل..دعم و و ..و..أنا عائد للتوّ..لا أبحث عن شيء إلاّ المتعة وتجزية الوقت..

ها أنت من جديد وحيد..تتملّى وجوه الحضور..تستحضر أشباح الذكريات..تستغرق في الوجوم..تتمايل على الخشبة ذهابا وجيئة..تملئ وجدانك بموسيقى الناي:
وصلة الساهر سفرالمنتهى = والندى صار نشـيدا مغرما
سامري دمعة حزن صاحبي = في خدودي فانقشيها معلما
_(في البدء كنت مدرسا وذات يوم ..كنت عائدا وقد وشمت تلامذتي بدرس عن الوطن وقصيدة جميلة لأحمد شوقي * أمضيت أسبوعا كاملا أنقشها في رؤؤس الصغار حتى حفظوها..في طريقي كانت ورقة من جريدة(الشعب) يتلاعب بها بعض النسيم وتطؤها الأرجل بجهالة..لاحت صورة الرئيس وعنوان كتب بالحروف الكبيرة..”إستقالة رئيس الجمهورية”..هالني الخبر ..وحزّ في نفسي التي لاتزال تحبل بالفخر والعزّة والثورة..قرّرت بلا رجعة الإستقالة من منصبي ..وصموني بالجنون..لكنّي لم أكترث..)

تعبتَ من الكلام أم من الوجع؟ أم تراك ندمتَ؟!وحين تفرّقت بك السبل وأغلقت المنافذ ..رحت تبحث عن عمل ولا جواب إلاّ:”لا يوجد..لا يوجد..”والآلاف من البطالين كانوا يجرون وما زاد الطين بلّة تخرّج الدفعات تلو الدفعات من الجامعة لتحويهم المقاهي وتضمّهم الطرقات ..حقيقة تفتّحت أمامك واضحة..هذا الوطن الكبير الذي أتّسع للجميع أضحى غربة وضياعا..وحكومات تسقط وأخرى تنصّب..ما الحل ؟!…ما الحل..؟!
(نظرا للأزمة الخانقة والبطالة الضاربة قرّرت الحكومة الجديدة إعتماد مشروع إستعجالي لإمتصاصها تسمح ببناء جدران حتى يتسنّى لشبابنا الإتكاء عليها بمساهمة الخواص)
ها أنت تسمع الرّاديو يذيع هذا الإعلان..ها أنت تتذكّر أنّ جدار بيتكم تركته شاغرا فأسرع..!

(الوجع لا ضفاف له..ورحلة اليأس مستمرة..يا جدار بيتنا ها أنا قادم إليك..لكنّ..أبي شاء غير ذلك ..أبّي الذي أصبح مستثمرا خاصا أجّر الحائط لبعض الشباب البطّال..)
-يا أبي هدّتني غربتي..أهاجر..أهاجر إذا لم تعطني بعض حقّي..
-طز فيك وفي حقّك فلتهاجر ما همّني..
(آه يا هذا الجدار..ها أنت تقاسمني وزر الأحزان والبكاء..وها أنت كلّ نصيبي من وطني..أنا وفتية تاهوا يضربون في الأرض..قالوا ثمانين بالمائة..قالوا تسعة وتسعين بالمائة وماءتهم جدارهم.. نحن فتية ضيّعتنا السياسات والأوهام..ريح أخذتنا وريح جذبتنا..سرنا مع كلّ التيارات حتى أضعنا المشي الصحيح..فتية نحن همّنا التوظيف والرغيف بعد أن جُرِدنا من كلّ مبدأ.. همّنا أن يسمعنا من هم فوق..أن تصلهم أنّات أصواتنا المبحوحة وجراحنا الممدودة على طول الخطوط الثلاث..خطّ البحر والشّعر والتّمر..)

أخيرا ها أنت تجثو على ركبتيك..ها هو الجمهور يصفّق..فقم وأمسح دموعك فهي ليست دموع تماسيح..هي دموع حقيقية..دموع إستشعار القضايا..أنت الممثل والمعني..أنت الذي جعلت الموهبة تنطلق بالحقّ وتنسخ الواقع..مسرحك الشارع والسوق وسيارات الأجرة وقاعات الشّاي..هدفك أن يصل صوتك مبحوحا أو طلقا..أن يحلّق من فضاء لفضاء بكلّ اللّهجات واللّغات ..لا لغة أصدق من لغة الحزن والإيحاء..قم يا العربي فاليوم توّج مونولوجك بالنّجاح..سرّ النجاح الصدق والوفاء للقضية..فلتحيّي الجمهور المصفّق دائما..
****
(ما أكثر ما قلت
وكانّك لم تقل شيئا)

*صميده حكواتي أسواق كان يحكي في الأسواق مصحوبا بعزف الربابة.
*شيموس هيني:شاعر إرلندي حائز على جائزة نوبل سنة 1996.
*سي علي معلم قرآن درّس الكاتب في صباه(رحمه الله).
*قصيدة أحمد شوقي(عصفورتان في الحجاز)

السابق
نجم ساطع من خلف الأجسام
التالي
رقية

اترك تعليقاً

*