القصة القصيرة

النسيج اللغوي في القصة القصيرة جدا، نص “قابيلان” أنموذجا

للكاتب توفيق صغير المتلوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مدخل:
إن القصة القصيرة جدا جنس أدبي يتطلب الكثير من الجهد لاتقانه والتمكن منه وهو عالم له خصائصه ومكوناته، فقد نقضي العمر ونحن نضع أنفسنا على محك التجريب، لكن قد ننجح في صياغة نص واحد في الغرض المطلوب.
ولعل الأنموذج الذي نعرضه اليوم يقف دليلا على ذلك وهو أنموذج للكاتب التونسي توفيق الصغير، تحت العنوان “قابيلان”.

في عمق النص:
1ـ العنوان : العتبة:
في القصة القصيرة جدا عنصر تابع للمتن وهو ملخص له وعلى الكاتب أن يفلح في الربط بينهما
وليس من الضروري أن يقرر الكاتب العنوان قبل المتن فيمكن أن يخيط المتن، ويجيد نسجه ثم يقرر أن يضع له عنوانا تماما كما المولود، يولد ثم نطلق عليه الاسم وإذا كان العنوان لا يحيل على المتن ضعف المقصد ووقع الخلل، ولو طابقنا قولنا هذا على العنوان التالي: ” قابيلان” 
يستوقفنا صيغة المثنى، فقد تعودنا أن نتحدث عن قابيل وهابيل إذ ارتبط قابيل بصورة القاتل/ الفاتك/ العنيف وارتبط هابيل بصورة المقتول/ الضحية/ المسالم
وفي تثنية اللفظ (قابيل) كشف أن عنصر العنف قد تضاعف في واقعنا هذا، فلم نعد أمام قوتين متقابلتين بل أصبحنا أمام قوى متساوية في الظلم/ العنف/ القتل.
قوة سالبة أمام قوة سالبة، من أجل نشر الرعب والموت وهذا يتنافر مع المنطق، إذ أن السالب مقابل السالب قد يعطينا الايجاب، وهو ما يؤكد أن ما يحدث في الواقع يتضارب مع المنطق والعقل.
فالعنوان: قام على الاختزال/ الايحاء/ وجاء مفردة وهو ما أعطاه دلالة وفاعلية.
وبناء عليه فالعنوان في القصة .الق.ج. يجب أن يكون مفردة ولا يكون جملة، ومن المستحسن أن لا يكون مركبا وإن جاز ذلك، بقدر اتقان لعبة الاختزال في الق.الق.ج. تنجح عملية التركيب والبناء.
فما علاقة العنوان بالمتن؟
2 ـ المتن:
تقوم هذه القصة الققج. على لفظين أساسيين يمكن أن ندخل بهما إلى عالم الدلالة ولرصد لعبة الاختزال نعثر على لفظين قد اشتغلا عليهما الكاتب وهما :” الغراب” و” العمامتان”.

على مستوى البناء:
ـ عنصر الفاتحة:
قام على جملتين فعليتين، خضعت الأولى للتقديم والتأخير
( متأففا تلمّظ الغراب بقايا المعركة)
تقدم الحال له مقصدية، ابراز الحالة، الكشف عن العالم الباطني/ التافف / القلق/ التحسر..
فالغراب شخصية مراقبة لما يحدث من المعركة عاضدتها جملة ثانية( نظرغبارها المتجدد)
علاقة تكاملية تكشف سبب تقديم الحال، وهنا نتحدث عن مقصدية واضحة في تركيب الجمل، إذ الجمل تبنى بناء مقصديا لا عشوائيا في الق. الق. ج. لأن كل حرف له مقصد وكل جملة لها هدف في نسيج النص القصصي أو الروائي .
أما في القصة القصيرة جدا فكل كلمة بمقدار، وما زاد عن المقدار فهو كالباطل لا خير فيه.
إن عنصر الفاتحة قام على التكثيف والفاعلية فأوجز وأخبر ونجح في التبليغ عن الجو العام ( وهو الحرب الدائرة على الميدان ) وهي حرب متأججة ، لا تهدأ، متجددة، مشتعلة ، حتى أن الغراب تعب من مواراة الجثث.
والغراب ارتبط منذ القديم بالتجويفات الأرضية، والكهوف، إنه يرمز للقبر والأرض التي تبتلع ويحيل على الفضاءات المعتمة التي تقترن بالموت والهلاك.
ـ عنصر الوسط:
اختلف في البناء فقام على ملفوظ/ مقول/ تلفظ
اشتغل على الاستفهام بأداتين، دلت الأولى على الاستخبار (الهمزة) ودلت الثانية على العدد (كم)
والاشتغال على الاستفهام في الوسط فيه مغزى وهو الربط مع البنية في قسم البداية فندرك الحالة التي عليها الغراب(متأففا) وبناء عليه يكون اختيار الأدوات اللغوية والأساليب مدروسا ودقيقا
فلا يجوز مثلا في هذه الوضعية أن يوظف الكاتب مثلا:
الأمر/ النهي/ النداء… لأن هذه الأساليب لن تؤدي الغرض أو المقصد في هذا السياق بل ستكون مسقطة لتتفاعل مع ما تقدم من البناء.
وهنا تظهر قدرة الكاتب على الاشتغال على الأساليب، ووضعها في مواضعها، حتى يتجلى تناسق اللفظ والمعنى. وهي قدرة لا تتاح إلا لمن توفر له الادراك بقوانين اللغة وخفاياها.
وكاتبنا له باع في ذلك، ويعلم عن أسرار اللغة الكثير.

الخاتمة:
يعود الكاتب إلى توظيف الجملة الفعلية،( نحويا) الخبرية (بلاغيا) فنعثر على جملتين مترابطتين عن طريق “الفاء” النتيجة (بسطت الأيدي من كل جانب فتدحرجت عمامتان)
فنلاحظ أن النسق الإخباري فاعل جدا في هذا المقام، إذ كشف عن الدال الثاني الذي تقوم عليه القصة (العمامتان) فالعمامة الأولى بيضاء وتحمل رمزية، والثانية تنحو نحو السواد وتشحن كذلك برمزية أخرى، باعتبار لعبة التضاد وتختزل عدة دلالات تختلف باختلاف المقاصد .
من هنا يتخذ الصراع البعد الايديولوجي المذهبي، فندرك الأبعاد ونعلم المقاصد وهو ما يفسر الصراع الدائر بين الملل في الأراضي العربية وإن لم يكن صراعا جديدا… فهو الصراع الحقيقي الغارق في التاريخ منذ بروز الأديان.
من له أ حقية التملك والسيطرة، ومن هو الكفيل بقيادة الامة واعتلاء العرش؟
إذن البنية الثلاثية، هي بنية مترابطة، منسجمة، منتظمة …
يمكن أن نقر أن الكاتب اشتغل على النسيج اللغوي / الداخلي للقصة حتى تخرج علينا بكل هذا التناسق تماما كما النساج وهو يضع أمامه جملة من الخيوط الملونة والمختلفة وفي مخيلته رسم يسعى إلى تجسيده فما عليه إلا أن يتقن لعبة الألوان توزيعا وتنسيقا لتكون اللوحة كأروع ما تكون
لكن هل أن نهاية القصة كانت ستكون أكثر حبكة لو أسقطنا الجملة الحالية الأخيرة (وقد ابتسما مكرا) لاسيما وقد ساعدت على التفسير والتوضيح الذي يتضارب مع الإيحاء والتكثيف؟.

إن الكاتب توفيق الصغير يتقن الق.الق. جدا لأنه يجيد لعبة الاختزال والتكثيف، يتلمّظ نص الحكاية
يبتعد عن التأفف، ينظر غبارها المتجدد ويجتهد في أن لا تضع أوزارها.
يبسط قلمه فتتدحرج نحوه الكلمات لتنسجم في نسيج لغوي دال بعيدا عن التكلف والعتمة لا يحتاج إلى عمامة، ليعبر عن مقصده بل يمسك بالأدوات إمساكا شديدا ويمتطي الرّمز فيكون فارسا مغوارا يسبح في ساحة اللغة، يقبل إذ يدبر ويسبح فيتوغل فيخرج علينا باللؤلؤ فنتلقفه لنكشف سرّ هذا البهاء ومكنون هذا الضياء.

السابق
بشری
التالي
هَـــواجس

اترك تعليقاً

*