مقالات

النص الإبداعي بين النخبوية والجماهيرية

ماهي الشاعرية الحقيقة للنص الإبداعي ؟ هل هي مجرد تميز الكتابة الإبداعية عن باقي الخطابات الأخرى في استعمال اللغة؟ أليست الشاعرية رؤيا حسب النقد مابعد البنيوي، لا استخدام مخصوص للغة فقط؟.
أليس ذلك الشطط في تقديس ” النخبوي ” و تهميش ” الجماهيري ” قد أدى إلى خلق نص إبداعي يقطن في واد، والمجتمع في واد آخر؟.
هل تقديسنا المفرط ” لنخبوية ” النس الإبداعي هو سماح للأنساق الثقافية الخطيرة بالتكاثر تحت خطاء الحيل البلاغية / الجمالية؟.
هل جماهيرية النص الإبداعي تعني أنه سهل المطية من قبل العامة سواء أكانوا كتابا، أم قراء ؟ أم أن رغائبه عزيزة لا تنال بالتمني، بل بالرحلة السرمدية، والحمولة الثقافية المتميزة كمية، ونوعا؟.

من القضايا الأساسية التي طرحت في النقد مابعد البنيوي قضية نخبوية النص الأدبي ، وجماهيريته… هذه القضية التي ماهي إلا ثنائية ضدية مكونة من ضدين، قد كان للأول منهما شأو كبير في النقد البنيوي، على خلاف القطب الثاني الذي كان مهمشا، ومن بين الثنائيات الأخرى التي لاتنأى عن هذه الثنائية ( رجل / امرأة – مكتوب/ منطوق- رسمي/ شعبي- عقل/ لاعقل- … )، ولعل هذه الثنائية الضدية تقوم على علاقة تضاد، وصراع بين قطبين؛ هما :
– ” المركز “، ” الأنا “، ” الذات “،” النحن “.
– الهامش “، ” الآخر “، ” الهم “.
لقد كان النص الإبداعي، سواء أكان ينتمي إلى مجال ” الكتابة “، أو ” القراءة ” نصا ” مركزيا “، ينتمي إلى طبقة راقية، نخبوية متعالية عن طبقة العامة.
فكان الشاعر خاصة مجرد راهب متعبدا في محراب البنية اللغوية المنغلقة، أين أصنام اللغة المنزاحة التي لاتنزاح إلا من أجل الانزياح، ولاتخترق إلا من أجل الاخترق، لقد صار مجرد قاراكوز تحركه حبائل اللعبة الشكلية المتقوقعة، وهو رافع شعار ” اللغة لذاتها، ومن أجل ذاتها “.
والأمر نفسه مع القاريء الذي لايهتم إلا بدراسة تلك النصوص الإبداعية التي تفيض شاعرية، متناسيا بذلك نصوص الثقافة الشعبية، و المجلات، والجرائد، وغيرها من الخطابات المنتمية إلى مجالات ثقافية مختلفة، ومازاد الطين بِلة أنه ما صار يعبأ إلا بدراسة الآداب الأجنبية عموما، بسبب عقدة النقص، و الآداب المشرقية بسبب عقدة الأخ الأكبر، متناسيا في ذلك أدبه الوطني، وحتى أن أغلب تلك الدراسات التي راحت تهتم بدراسة الأدب الوطني قد وقعت في شَرك رفع شأو المشهور من الأدباء، وتناسي المغمور منهم؛ وهذا لأغراض شخصية، إيديولوجية؛ من باب الصداقة، والتمسح بأذيال شهرة الأديب، بالرغم من أن المغمور قد يكون أكثر شاعرية من ذلك المشهور الذي لم يصر مشهورا بأدبيته، بل بكثرة نقيق النقاد المزيفين الذين تخلوا عن تسمية ” الصيارفة ” ، و دخلوا تحت لواء ” السماسرة “.

والأمر نفسه مع هؤلاء الأدباء الذين يتبعهم الغاوون، و يهيمون في كل واد، ويقولون مالايفعلون، إنهم يعتبرون الأدب مطية لتحقيق الشهرة، وربح الأموال، … دون سعيهم إلى تطوير عملية الكتابة الإبداعية التي بدورها تؤدي إلى إنعاش النقد، ولعل ازدهار هاتين الفعاليتين تؤديان إلى ازدهار المجتمع.

إن عملية الإبداع الفني لا تقوم دون حدوث تفاعل بين النخبوي، والجماهيري؛ أي إن فعالية الإبداع الأدبي، بشقيها؛ الكتابة، والقراءة لا قيمة لهما إذا ظلا في ذلك البرج العاجي، البعيد كل البعد عن تطلعات المجتمع، ومشكلاته كما كان إبان ” النقد البنيوي “.

لقد آن الأوان لأن نعيد مناقشة قضية ” جمالية / شاعرية النص الإبداعي بين فرادة لغته، والنفعية.
لايمكن أن تقوم الكتابة الإبداعية دون جمالية، أو شاعرية، وشاعريتها الحقيقية لم تعد مجرد لغة منزاحة فريدة، من أجل الإثارة الفنية فقط، بل إنها قد صارت لغة منزاحة متميزة تثير القاريء من أجل نفعه نفعا خاصا، ومن أجل التواصل معه تواصلا مميزا يختلف عن تواصل اللغة العادية.
إنه تواصل مخصوص لايهدف إلى تقديم إجابات محددة، ونهائية، بل إنه يهدف إلى خلق ذلك القاريء المفكر، الذي يتقن لعبة إتقان طرح الأسئلة الجديدة، اللامتناهية؛ بحثا عن الأسرار الجمالية اللامتناهية، إنه يريد أن يعلمه إتقان حيل مختلفة ؛ كالتجريب ، والتفكيك، و التشريح، … تجعل فيوضات رؤى النص تنثال عليه انثيالا، وهي فيوضات يعتمد عليها في تطوير آلياته النقدية، وإغناء قراءته تشبها بتلك الرؤى التي لاتحدها تخوم، على حد تعبير شيخ الصوفية ” النفري ” : ” كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة “، وهو إغناء ليس من أجل الفن لذاته، أو من خلال التقوقع داخل الحرم الأكاديمي، بل إنه يحول قراءته من قراءة ” منغلقة ” إلى قراءة ” منفتحة ” على المجتمع، تسهم في إعادة بنائه، وتجديده بتعددها، مآزرة للكتابة الإبداعية التي لاتنأى عن هذا الهدف؛ مادامت أن اللغة لم تعد أداة محاكاة، أو تعبير عن انفعال زائل، أو نزوة شخصية عابرة، أو لعبة شكلية، مسلية فقط، بل إنها أداة صناعة العالم من جديد، وتغييره، والتأثير فيه، إنها باختصار شديد ” مشروع حضاري ” .

إن هذا الطروح يقودنا إلى صياغة خلاصة أساسية مفادها أن النص الإبداعي نخبوي، وجماهيري في الآن ذاته، فهو نخبوي؛ لأنه كالفرس الأصيل لايمتطيه إلا أهل الصنعة، من الكتاب، والقراء ذوي الموسوعة الثقافية، الخبراء بشعابه، في حين أنه يرفض كل مبتديء لايجيد
أصول الفروسية… وهذا يعني أن جماهيرية النص الإبداعي لاتعني أنه ميسر لاشتغال العامة في مخبره، بل يعني أنه لايبقى راهبا منعزلا عن قضايا مجتمعه في صومعة اللغة الشعرية المنغلقة؛ بل إنه ينزل إلى الوسط الاجتماعي، ويتفاعل مع قضاياه تفاعلا لا يحوله إلى مصلح، أو رجل دين، أو مؤد لرسائل مختلفة، بل إنه يصيره مفكرا، يجيد طرح التساؤلات اللامتناهية من أجل فض بكارة رؤى ذلك العالم الغيبي اللامحدود بلغة شعرية مثيرة للقاريء نحو مشاركة الناص نفسه في عملية التفكير التي هي سر تجدد العالم …

السابق
إشكالية مصطلح الأدب الاستعجالي
التالي
تُخمة

اترك تعليقاً

*