القصة القصيرة

الهامة ترابية اللون

تلملم الشمس ضفائرها الذهبية ، تغوص في بحرمن دم أحمر قان ، تقرض العتمة أطراف النهار ، يجن الليل، تجن حياته .
تحضن الجحور أهلها ، والغيران قوارضها ، تهيم أخرى في متاهات ظلام دامس قاتل ، يفك قدوم البهيم عقال ملوك العالم السفلي،يتركون معازلهم الخفية :
يرقصون رقصة الحرية على صفحة الماء ، على إيقاع حفيف سويقات السمار تحف مجاري مياه الوادي ، مزهوين بألوانهم القزحية ، يفضحها قرص قمر خجول ساهر وعيون لا تنام !
تبتلعنا البيوت الطينية المتراصة كحبيبات العنب ،نطلب دفء الأب و حنان حضن الأم ، حين تتمنع الأرض على الأقدام والحوافر والأظلاف وتنقطع الحركة و الدبيب !
فترة صراع نفسي رهيب تحبس منا الأنفاس :
اليد خارج العتبة تقطع من المعصم ، الرؤوس الشاردة من أبواب المنازل تجزمن الرقبة ، تفصل عن الأجساد ، أسرار الليل رهيبة خفية مميتة !
لا أحد يجرؤ على الخروج !
أبي هذا الكبير الضخم ، قاهر الأشباح ، ومروض الأرواح أيضا يخشى العتمة ، كعقرب الصحراء يخيفه الماء البارد :
مثلنا يصيبه الفرق ،يحتمي بضوء شمعة تدرف الدموع ،يطلب دفء موقد نار باهتة ودفء بعض من لهاث أمي المتعبة ، تطهو حساء ساخنا للعشاء !
الهامة ذات هامة عريضة ، غليظة، مسطحة، مخيفة ، لولبية التفاتتها : فلتة من فلتات زمان أغبر ، قذر، تساوى فيه الخير و الشر ،الحكمة و الغباء ، اللسان مرن لا عظام فيه !
الهامة البنية هامة الجوارح والهوام الليلية :
قادمة من رحم زمن وجع غاب فيه المنطق !
قادمة من عمق صرع تفكير تائه غاب عنه الحق !
لكن لا ندري أ أقوالهم حقيقة أم كذب وافتراء؟:
من هامة القتيل تخرج هذه الهامة المشؤ ومة :
من هامة هابيل ٠٠ تطالب برأس قابيل !
تندب وتصرخ ، تنعق ، تطلب السقيا من دم القاتل :
-أسقوني ، أسقوني ،فالعين بالعين ولا شيء غير رأس قابيل، والجروح قصاص !
لن يجف تراب قبر القتيل قبل أن يؤخذ بثأره !
حفيف خفيف ٠٠ هسيس ٠٠نعيب مكتوم ، يتحول صراخا يقتص من صمت صمت قريتنا الغافية بعد طول عناء يومي !
جذع شجرة يابس قديم : بقى من بستاننا، ذات سيول جارفة ٠٠ذات شتاء ممطر طوفاني ٠٠ تقبع فوقه تلك الهامة البنية، ترابية اللون رمحا مركوزا ، مغروزا في خاصرة نخرها نقار الخشب !
هامة الهامة البنية ، تزينها زهرتان كبيرتان من زهور عباد الشمس ، لا تطبق رموشهما على بعضها ، مفتوحتان عن الآخر أبد الدهر !
رأس عجيبة ، غريبة ، تدور دورة كاملة تحطم كل الزوايا ، فالرأس لولبية حربائية الاستدارة !
رفرفة باهتة٠٠فرقعة جناحين .. حفيف خفيف طفيف:
يرصد رادارها اللعين طريدة : جرذا٠٠فأرا٠٠حشرة ٠٠أو سحلية ٠٠صيدا ثمينا تلتهمه الهامة.
يختفي الحفيف ، تعود من جديد للتهديد و الوعيد و النعيب والنحيب !
نعيبها أشبه بمواء قط جائع ،لكنه غير متقطع ، يقول أبي الخبير بلغة الطير :
-إنها ذات وجه قط ، وصوت قط ، وذوق قط ، وشراسة قط ، لكنها ليست رباعية القوائم ،إنها قط ممسوخ ، كائن متحول عن أرواح شريرة !
على قمم الجبال وجدران المنازل، يتشظى أنينها و صرخاتها حاقدة ، ناقمة على جرائم البشر، يردد صداها فراغ المدى السحيق !
-مياو ٠٠٠عمرانكم خراب!
-مياو ٠٠٠٠حياتكم عذاب!
-مياو٠٠٠أحلامكم ضباب !
-مياو٠٠٠وجودكم سراب!
-مياو ٠٠أنتم ،يباب ،يباب!
سمفونية حزينة كئيبة مخيفة ، هكذا فسرها فقيه القرية : عالم بدون علم يدعي معرفة كل اللغات ، مرة حكى لنا مغامرة نملة في عمق البحر ، تطعم ضفدعة عمياء ، ثم تطفو على السطح بين الفينة والفينة !
هذا نعيب أعيه ، وأدركه حق الإدراك ، يسقط في يدي كلما سمعته، أشعر بخوف بارد ، يكاد يخنقني ، قابيل فعلها ، فما ذبنا نحن ، أتعاقبنا على جرائم غيرنا ؟
ينتفخ قلبي ، يركل في يمين صدري ، تستقيم شعيرات رأسي واقفة ، تراقصها قشعريرة باردة ، تحرر كل مسام جلدي!
أزحف على ركبتي، أحتمي من رهبتي ، أتمسح بأبي كالجرو : أمسح رعبي برباطة جأشه ، أو هكذا يبدو لي !
ينشغل عني بشمعة تأبى التوقد و التوهج ، يداعب فتيلتها بعود يابس ، يريد كبح جماح شرودها !
أضع رأسي بين ركبتي ، أشعر ببلل ثلجي يجتاحني كلي ، يرق والدي لحالي، يضمني إليه برفق ، يلفني بجناح برنوسه الرمادي ، يقهقه عاليا، يتظاهر باطمئنان النفس ، يربت على شعري الذي نفشه الخوف :
– أ تخيفك هذه البلهاء ؟ أتتطير من هذه الرعناء ؟ يا ولدي هذه العوراء ، هذه الشمطاء :
طير نحس ، رمز يأس ! لا٠٠ لا تخف : (لا عدوى ، ولا طيرة ، ولا هامة ، ولا صفر ) !
أ ضغط بقوة على ساقه الخشنة -تسندني- بقبضتي الواهنة أستفسره :
-ابي لماذا يكره الناس سماع نعيبها ، ويهابونها ألم يقولو ا؟ :
_ إنها مقدسة إلهة أثينا عند الاغريق ، إنها بومة منيرفا إلهة الحكمة عند الرومان ! حكيمة الحكماء منذ الأزل ، أم أن هذا كلام كتب صفراء قديمة و هلوسات أموات طواهم النسيان !
يضغط على فتيلة الشمعة بعوده اليابس ،تومض و تخبو تكاد تنطفئ تماما ، يا بني :
– نعقيقها ، خراب بيوت ، موت أحبة ، إنها قادمة من الزمن الغابر ، تطلب ثأرا من المذنب والبريء ، كالعاصفة يتساوى أمام جبروتها كل القش ، كالحرب لا تميز أهدافها ، هي نذير شؤم ، نذير موت !
نكره الهامة ترابية اللون ، أما بومة الحظائر ،فإننا نحترمها ، فهي في ثوبها الأبيض ، تبغي إنهاء عدتها من أزمنة غابرة ، ولا تزعجنا ،ألا ترى أن وجهها قلبي الشكل ؟ هذا دليل حبها لنا !
تأتي أمي تجر جسمها بصعوبة كبيرة ،تضع صحن الحساء على المائدة، يندلق بعض منه فوق برنوس أبي ينهرها بامتعاض :
– ما بالك يا امرأة ؟ هل أفقدك نعيق هذه العوراء، الشمطاء صوابك؟
شاردة الذهن زائغة البصر ، تنفلت كلمات مبتورة ، متقطعة من متاهات خيشومها، تتمتم ، تتف هنا ، هناك و تحوقل بدون انقطاع !
تتجه إلى أخي الصغير في مهده ، تجس نبضه وهو يغط في نوم ثقيل ، تسحب لسانه خارج سقف فمه ، تقلبه في كل الجهات وتتفحصه بدقة :
– الحمد لله لا زرقة ٠٠ لا كدمات ٠٠ لا خدوش ، لم يمسسه سوء !
استجمع قوتي مستفسرا :
-ما باله أخي الصغير يا أماه ؟ما بال لسانه ؟
بنظرة متوجسة ، وبارتباك مفضوح :
-هذه المشؤومة ، تتحول من أرواح شريرة ،تغتنم فرصة سكون الليل والناس نيام ، تتسلل من شقوق الأسقف ، من ثقوب الحيطان، و من فتحات الأبواب والنواقد ،تختارالأطفال الرضع ،تمتص ألسنتهم الطرية وتسلب منهم الروح ، في غفلة من أمهاتهم !
يحدجها والدي بنظرة استهزاء وسخرية :
– كلام غير صحيح ، يموت الرضع اختناقا بأثداء أمهاتهم :
في عز النوم العميق ، تلقم الأم الرضيع ثديها ، تهوي عليه بثقل جسدها ، فتخنقه ، تمسح فعلتها ببراءة الهامة ترابية اللون ، وهذا ليس غريبا ، غيرها علق دم يوسف على عنق ذئب بريء ! هما معا عاجزان عن إتباث براءتهما، افتراء وكذب مقيت ، ينجي الأم من فضيحة كبرى و طلاق محقق !
يسري الهدوء موتا باردا في أوصال قريتنا ، يتلاشى النعيب ، يخمد حفيف الأجنحة ، إلا بعض الرفرفة الشاردة تقاوم ثقل الظلام ، وهسيس كلاب ، في حرب مع الكوابيس !
نبحر في نوم عميق ،تستوطن زرقة لسان أخي الصغير مكامن أحلامي ، تتحول إلى جاثوم يضغط على صدري بقوة ، يغذيه شخير أبي وأمي وحشة !
أشعر بلمسات ، ساخنة تربت على جبيني المتعرق :
أول شعاع متسرب من شقوق السقف ،تتكسر صورة هامة الشؤم على جدار ذاكرتي، أستفيق مذعورا ، أتحسس وجه أخي ، أجس نبضه ، أفتح فمه ، أحاول إخراج لسانه من حنكه ، أريد فحص زرقته ، يقاومني ، يصرخ مرعوبا ، تستفيق أمي تتأفف ،وتتف في كل الجهات ، يحوقل أبي ، يلعن تربيتي ، تربية آخر الزمن ، جيل لا ينام ولا يترك من ينام !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
مَأْمَنٌ كَاذِبٌ
التالي
شقاء

اترك تعليقاً

*