القصة القصيرة

الوتد والبرنوس

مويجات النهرواهنة ، تتكسر ،عند مخرج الترعة ،تتشظى على كتل الوحل اليابسة ، يجرى الماء ثقيلا ، بطيئا ، مملا ، أشعة بنفسجية حارقة تمتص منه الرطوبة ٠٠ ،يصيب مصارينه اجتفاف مميت ، تتشقق شفاه تنبت في وجوه صفراء مجعدة ،تترهل البطون ، تشكو من الجوع، ترتخي حبال الصراصير الصوتية : تعزف عن العزف ،تقرمش الشمس الديدان والحشرات ، تهاجر أسراب الطيور نحو الشمال :
جاف هذا العام ،يجلد جلودا قمحية باهتة ، يضمر الضرع ، يصفر الزرع ، تختنق حبيبات الحمص في أغشيتها ، جفاف مميت ، قاتل ،ما عرفوا مثله منذ سنين !
يمصمص الأعرج فاهه ،يمعن في المصمصة ،يتلمظ سقف حنكه يتذكر ،أنه نسي طقم أسنانه في الترعة قرب الناعورة ، يهرول بإيقاع موسيقي مرتب :
نقطة٠٠ فاصلة٠٠نقطة٠٠ فاصلة ٠٠نقطة ٠٠فاصلة !
يمعن في الهرولة ، تتسارع خطواته :
حبة فوق ٠٠حبة تحت ٠٠حبة فوق ٠٠ حبة تحت٠٠!
إيقاع يطربه ،ينتشي به ، فيبالغ في الهرولة !
ساقه اليمنى تتحمل كل ثقل جسده : تلوح عروقها نافرة منتفخة خضراء ، يشكو دوما من ألم داء الملوك ٠
ساقه اليسرى قصيرة ، لا تكاد تلامس رمال النهر:
تبدو نحيلة مترهلة تحت الركبة ، لذلك يعرف بينهم :
بالأعرج /الأعسر !
يسند ظهره سار خشبي قديم : دعامة ناعورة مهجورة عند مصب النهر ، كانت توزع دلاء الماء دلوا دلوا بالعدل بين الحقول في زمن مضى !
يلصق رأسه بالسماء ، كالمصلوب ،تكاد رقبته تكسر، يطارد بنظراته الزائغة سحبا مندوفة ،تعبر الفراغ دون أن تتوقف، تتلاشى تماما، وعيناه باهتان تدوران في محجريهما ،تغشاهما حمرة حنق ويأس :
– يا ربي ! الوحل يكتم أنفاس نهرك ، أعشابك تيبس يوما بعد يوم ، الخف والظلف ينفق ، أسراب الغربان تنعق في أمعاء أولادي الخاوية ٠ كل شيء يشي بمحنة قادمة ! رحمتك يا رب ! اسق بهيمتك ، أرو أرضك العطشى ، فقد طفح الكيل!
فجأة توشوش له يرقة جشعة من يرقات تفكيره :
-يا أعرج ماء نهر ميت ، موحل ، لن يروي غيرعطش حقلك ،فالماء ماؤك وحدك ، خذه بمكرك ، بشطارتك ،لن تكون سارقا :هذه سرقة غائبة عن عقول هؤلاء الحمقى الصدئة !
لكن كيف ؟ أأفقد ساقي اليمنى أيضا ؟فسرقة الماء من النهر ، كلفتني في مامضي بقرة حمراء كبيرة عقابا لي ،وبضع سنتيمات من ساقي اليسرى : هوى علي أحد مجانين هذه القرية الملعونة بساطوره فأفلت من الموت بأعجوبة ! و هذه المرة ستنكسر الجرة ، هؤلاء البلداء لن يكتفوا ببقرة حمراء ، فقد يحكمون برجمي حتى الموت ،فيضيع حقلي ويموت نسلي جوعا في مكان الشؤم هذا ٠٠
– اسق حقلك ليلا و نهارا ،امسح تلافيف مخك، من الصدأ و اخترع أي حيلة ، إنك صاحب حيل يا أعرج !
يترك ساري الناعورة ، يضع قدميه في الما ء ،تعلق بهما حبيبات زبد خجول ،تتشظى فقاعات قزحية ، تنفجر و تتلاشى ، وتجف !
يتف ، يتأفف ، ينفت غضبه على هذا النهر الذي أصابه العقم ، يرميه بالحجر، يسحق تحت قدميه بقايا أصداف قذفها موجه ذات خروج عن السرير ٠
يحشر قدميه في النعل ، يقفل عائدا و في نفسه ، و في نفسه ، ما تبقى من أنفاس النهر المتقطعة ٠ يجب أن يقهر الجوع ويطرده من بيته، ويعيد البسمة لأبنائه الجياع !
ثمة حشود من القرويين : يتحلقون حول نارباهتة يراودها النعاس من حين لآخر ، يوقظها أحدهم بعود يابس ٠
يسلم الأعرج ، يبوس ظاهر اليد والراحة بأدب مفتعل ، يقعى أمامهم كالكلب :
-خيرا يا جماعة الخير،ألا تشركوني همومكم ؟ ألست منكم ؟فقد يوجد في البر ما لا يوجد في البحر يا ناس ؟
– يا أعرج !يشغلنا توزيع ما تبقى من لعاب هذا النهرالميت ، فالحقول تكاد تختنق ،نريد تخفيف حر عطش الأرض التي تحترق ،نفد الماء و لم يعد يتجاوزمخرج الترعة !
-النهر ؟ حكايته حكاية ! أخافه حتى الموت ،وأحترمه ، منذ رأيت أمرا عجيبا٠٠ غريبا، سمعته فقط في خرافات الأجداد ،ما رأيته لن يتصوره عقل عاقل يا جماعة !
– يقترب منه أحدهم يكاد يلامس حبة أذنه :
-لقد شوقتنا وأخفتنا يا أعرج !ماذا رأيت هناك بالله عليك ؟
يتف الأعرج ،يبصق هنا، هناك،تنفلت من متاهات خيشومه كلمات مبهمة تخرج مع زفيره :
– هه ! آثار أظلاف كبيرة مرسومة على رمال هذا النهر ، لا هي للإبل ، ولاهي للمعاعز ولاهي للأبقار : إنها أشبه بأظلاف فيلة كبيرة ، أو آثار أسراب من النعام ، والله يعلم لمن تكون !
يقهقه آخر ساخرا ، يكاد يستلقي على قفاه :
– يا بليد ، يا معتوه ! أي خبر سيأتيك به هذا الأعرج غير النكد والنحس ، ألم يقل أجدادنا :(لا يقرع ولا يعرج إلا البلاء المسلط ) ! فهل رأيتم في أرضنا فيلة أو نعاما ؟
يتبادلون وشوشات الحيرة والاستغراب :
– هذه خرافات قديمة ،أكذوبة من أكاذيبك المعهودة يا أعرج !
-يا جماعة ،إذا لم تصدقوني ، فالترعة تأتيكم بالخبر اليقين !
مسح كبيرهم على شاربيه المعقوفتين وصاح فيهم :
– من منكم يأتينا بخبرهذه الأظلاف الغريبة ؟
لكن كيف يتبث لنا وصوله الى الترعة في هذا الليل ؟
تنفرج شفتا الأعرج عن ابتسامة عريضة ماكرة :
– الأمر بسيط ، يدق وتدا هناك قرب الترعة ، فيكون حجته ، والصباح يفضح أسرارالليل، وتتأكدون من صدق نيتي وحسن طويتي ،فمن منكم يفعلها يا جماعة ؟
يقوم أحدهم معروف بمغامراته الليلية ، يلف جسده في برنوسه الأسود ، يقصد الترعة ،في يده اليمنى وتد وفي اليسرى مطرقة ، ويبتلعه الظلام تحت التصفيقات !
يتسلل بحدر شديد ، وخشخشة الأعشاب اليابسة تحت قدميه تشده شدا ، يراوده خوف ورعب ،قرب الترعة ، يدق الوتد ، تردد ضفاف النهر صدى طقطقة المطرقة ممزوجا بنقيق متعب ، ورفرفة أجنحة تائهة في متاهات العتمة ،ينفلت منه قلبه ،يتحول جهة اليمين ،تصبح دقاته واضحة مسموعة ، بين كتفيه دلدل منفوش الأشواك ، يتصبب منه العرق باردا ، يقاوم خوفه من وحشة المكان ، يتذكر الجماعة تنتظره ، يستمر في دق الوتد ، يتحسسه في الظلام ، يكاد يختفي في الأرض !
يحمدل و يهم بتقصي حقيقة الأظلاف الغريبة على ضوء القمر ، يشعر بشيء ما يشده من تلابيبه ، يحاول الإفلات : يصرخ ، يستغيث ، تضيع صرخاته بين سويقات السمار تحف امتداد النهر ،يمعن ذلك الشيء ، في شده بقوة، يتعثر ،يسقط، يتخلص من برنوسه ، ويفلت من مصيدته الملعونة ، يسابق الريح ، يعانق الفراغ الموحش : يعدو ،يعدو،يعدو، تتساوى أمام قدميه كل الأشياء : حجرها وشجرها ،يسمع لهاثه من بعيد !
– اتركوه يا قوم يلتقط أنفاسه ، ويحكي لنا ما شاهد قرب هذه الترعة !
يبتلع ريقه بصعوبة ،يلملم حروفه ، تتشظى على المسامع:
-يا جماعة !صدق الأعرج هذه المرة ،شيء ما شدني إليه، قاومته بكل قوتي ، تمكن مني و سرق مني برنوسي الأسود ، وإذا لم تصدقوني فالترعة أمامكم ، لتقفوا على صدق الأعرج وصحة كلامي !
في حيرة يشوبها خوف شديد، يتبادلون النظرات يصيح كبير هم بصوت لا يخلو من ريبة وشك :
-ما رأيكم يا جماعة ؟ عندما يلامس ضوء الفجر المكان ، نقصده جميعا ، أما الآن فإلى بيوتكم ، فالمغامرة تحت جنح الليل غير محسوبة العواقب !
تنبسط أسارير الأعرج ، ويشجع هذا الرأي بحماس زائد :
– عين العقل يا جماعة ! ملوك العالم السفلي يلوذون بمعازلهم الخفية قبل بزوغ الطلائع الأولى للنور ، ولا داعي للتسرع !
تتوارى الجماعة خلف ستائر الليل ، تبتلع البيوت الطينية أنفارها ،يحملون في أذهانهم ألف صورة وسؤال لما سمعوا !
يعرج الأعرج على الترعة ، يتفحص المكان ، تحت ضوء القمر المنعكس على صفحة ماء النهر ، يغوص في نوبة ضحك أحمق ، هستيرية :
– يا للعجب ! يا له من جبان أرعن ،الوتد مدقوق في الطرف السفلي من البرنوس ،لم يكن ذلك الشيء إلا هذا البرنوس الجميل ،الذي يليق فقط بي وبأمثالي !
يحرره من الوتد ، يفتح الترعة ، يوجه الماء إلى حقله ، ترتوي سنابله حتى التخمة ، يعيد إغلاقها من جديد !
قبيل انبلاج الفجر ، يقصد القريون الترعة ، يبحثون عن الوتد والبرنوس وآثار الأظلاف الغريبة :
-لا وتد ولا برنوس ، ولا أظلاف ، يا جماعة ، صدق الأعرج هذه المرة !
يتملكهم هاجس ملوك العالم السفلي ، يعدون أنفسهم بأن لا يقربوا النهر ليلا ، أن يحترموا أسرار سكانه!
تصفو الأجواء للأعرج ، يستحوذ على ماء النهر ،يروي حقله ليلا ،و نهارا !
تصفرسنابل حقول القرية وتذبل ٠٠ تخضرسنابل حقل الأعرج وتينع ، يتساءلون عن السبب ،تأكلهم الحيرة ، يتداولون في أمرهم :
– الأعرج تقي ٠٠ ورع ٠٠ رجل بركات٠٠ صاحب معجزات !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
الاستهلال القصصي
التالي
نـدم

اترك تعليقاً

*