قراءات

الوجه والقفا في نص “شهد الملكة”

للكاتب محمد الشطوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

بتَوق النّفس إلى تلمّظ شهد الحكاية في النّصّ نلجه، ومنذ عتبته أي العنوان يسيل لعابنا تلذّذا بعسل ينزّ من الشّهد نقيّا جليّا، نحثّ الخطى في ردهاته ونحن نصغي إلى صوت أنثى تشكو جور الواقع وهو يشيد بإبداعات الرّجل، يكرّمه، يمجّده، يُعلي شأنه ويُخلّد اسمه في ثنايا التّاريخ وهي الأسّ لكلّ ذاك الدّفق المائز وهي الملكة الجوّادة بشتّى صنوف العسل فنّا موسيقيّا أو شعريّا أوقصصيّا، وهي إذ تشكو تطالب بحقّها في ما ينال من كلّ ودّ نصيبا.. يتغلغل فينا الصّوت ويدغدغ مشاعرنا ونتعاطف معه ونكاد نخرج من القصّة هاتفين بحقّ المرأة في الاعتراف بدورها في إبداع الرّجل.. لكنّنا نصطدم في غمرة انفعالنا ووشيك تفاعلنا بحقيقة مفادها أنّ هذا النّصّ قد امتطى صهوة البلاغة، ذي المطيّة التي تيسّر للكاتب أن يُظهر غير ما يُضمر. فلفنّ البلاغة بمجازه وكنايته واستعارته في تحقيق ذلك وجوه وشؤون.. ولئن عوّض الضّمير الغائب المفرد المذكّر رجلا مبدعا مشهورا متألّقا، فإنّ الأنثى المتكلّمة بأناها ما فاحت بشذى المرأة ولا انبثقت من رحم امرأة.. بل هي شخصيّة في ظاهرها إلى جنسنا البشريّ تنتمي وفي باطنها إيحاء وترميز… “كنت أحمل وهو يلد.. من تحت جذعي جاءه المخاض والرّطب..”: الجملتان المفتاح لصدفات النّصّ الضّامّة دررها بإحكام تنتظر غوّاصا لا ترهقه ظلمات الأعماق..أتحمل المرأة ليلد الرّجل بعد مخاض في فيئها وتحت جذعها السّاند الجائد بلذيذ الرّطب..؟! لا عقل بشريّ سيجيب بأن نعم.. إذن ماهذه الأنثى المشاطرة المبدع صولات إبداعه وشطحاتها؟ ما هذه الأنثى التي تكابد حملها ثمّ تُسلم لحظة الولادة للمبدع؟ لكي يتجلّى لنا الجواب المنشود نقف عند قول الشّخصيّة:” قصيدته المطبوعة الآن في السّيدهات خرجت من رحمي وحرمي “.ففي هذه الجملة ينكشف لنا أنّ لهذه الأنثى غير الوالدة رحما منه تخرج القصيدة إلى المبدع وعبره تتمّ الولادة.. واستنادا على هذا تنبجس قراءتي لهذه الأنثى من رحم التّأويل فأراها القريحة المتأمّلة المتأثّرة المنفعلة الواردة من خمائل الحياة روحا ومادّة رحيقا بفضله تجود بالعسل كلمات ليست كالكلمات وصورا مفارقة للمألوف من الصّور، فيتهافت عليه الظّمأى إلى عذوبة مذاق الفكر والصّور والإيقاع والمعاني يتذوّقونه وينتشون به وباسم الكاتب الذي من رحمها تلقّفه يهتفون وبإبداعه يلهجون.. قريحة ضجّت بتكريم المبدع دون ذكر لفضلها وتمجيد للحرف دون تعريج على أمومتها له وانغماس في شهد الصّور المبدَعة دون دعاء بالحفظ لواهب تلك النّعمة.. شفّ الفكر فرقّ الحرف وأضحى لكلّ جزيئة فاعلة في الوجود الإنسانيّ مبرّر مشروع لشخصنتها وتعرية قضاياها ودقّ نواقيس الإشادة بوجودها الفاعل وإرجاع الفروع إلى أصولها المنبثقة منها..هذا النّصّ وجه من وجوه مشروعيّة عشقنا للضّاد في زمن تراجع منسوب الإقبال عليها تعلّلا بأنّ عصر العولمة لا يحتاج لغير لغات علومه، هو برهنة على أنّ من ضادنا ننهل العسل وبها نجمّل كلّ قبيح ومن مجلسها الرّحب تنبجس شتّى صنوف الإبداعات مادامت القريحة جوّادة رغم كونها جنديّ يظلّ يذود عن الوجود المفكّر المبدع في خفاء.. وما عاد لنا بعد صرخة القريحة في هذا النّصّ إلّا أن نردّد :” سلمت قريحتك أستاذنا المبدع محمّد الشّطوي ولا عدمنا جودها بجليل الفكر المتسربل بجميل الصّور الموشّاة بأرقّ اللّغة وأرقاها، وسلمت وعوفيت.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
شهد الملكة
التالي
لعبة المونولوج وتعدد الأصوات في نص “شهد الملكة”

اترك تعليقاً

*