مقالات

الوظيفة التأويلية للعنوان في القصة القصيرة جدا

وتعرف في عنوانها بعض لحنها
وفي جوفها صمعاء تحكي الدواهيا
اللحياني.

قصص عبد القادر ضيف الله .أنموذجا.

يجد الباحث لأول عهده بمقاربة العنوان أيا كان ،أمام افتراضين لامناص من الولوج إليهما، وهما الغوص في ماهية العنوان المعجمية ،والنزوع إلى مفاهيم اصطلاحية تعنى بمعرفة مسميات المصطلح ،غير أن ما يهمنا –مادام المصطلح جلي للقارئ- هو استنباط العلائق التي تشد العنوان –كونه أول عتبة نصية تصادف المتلقي- إلى النص ،باعتباره رسالة من الناص ،ولما كان الناص قاصا في ما نصبو إلى بيانه ،فمن الضرورة بمكان ، محاولة التقريب بين العنوان و النص ،لا من حيث لغته ومقومات بنائه ،وبصرف النظر عن الزمكانية و الشخوص ،وبمجانبة الحدث الرئيسي والأحداث الجانبية ،وبمنأى عن سردية النص و تقنيات الحكي و آلياته ،ويفترض علينا حينئذ إيجاد الرابط بين العنوان و الرسالة ،أو اكتشاف المفارقة إن وجدت ،والتي تعتبر العنوان لا مولدا للنص ،ولا محيلا عليه ،ولا يسع القارئ أمام استحالة التوليد تلك غير التأويل ،والتأويل هو الذي يمنح النص خاصية التناسق مع عنوانه،إذ يمكن للمستقبل أن يبدع رباطا ديناميا مستحدثا بين عتبة النص الأولى –العنوان- و العمل القصصي.هذا إن لم تكن ثمة علاقة جاهزة ،تكفي المتلقي عناء التنقيب و استشراف المسافة التي تربط النصين ،النص الرمز و النص المتن ،فلا يمكن البتة القول بهوة سحيقة بين الأول و الثاني ،بين العنوان و النص القصصي ،ذلك أن الاهتمام بالعنونة اعتباطي في الغالب ،يوليه القاص عناية بالغة كونه المنفر و المغناطيس في آن ،بحسب انتقائيته ،تاركا للقارئ مساحة للتأويل ، بالنظر لبنية العنوان المقتصدة جدا ،والمثخنة بالرمزية و الدلالة ، والمرشدة إلى ما سيكون في المتن القصصي.«لأن النص بقدر ما يمضي في وظيفته التعليمية إلى وظيفته الجمالية ،فإنه يترك للقارئ المبادرة التأويلية» (1).

تعد نصوص القاص الجزائري عبدالقادر ضيف الله مجالا خصبا لدراسة العلاقات بين العنوان و النص ،ويتجلى ذلك بصورة أدق في قصصه القصيرة جدا،لأن ثمة ارتباطا وثيقا بينهما ،لا يتيح للمتلقي –بالضرورة- قراءة مسبقة لمقصدية الرسالة،إذ أن عنوان النص في الغالب ،يفتح بابا لاحتمالات متعددة ،قد تتوافق مع تنبؤات القارئ ،وقد تفاجئه فتكسر توقعاته ،فيجد نفسه أمام نص مواز لما توقع ،أو يكتشف نقيض تنبؤاته ،ولكن بمبررات وبآلية تتناول الموضوع ،فيصير النص متناسقا مع عنوانه ،ويمكننا القول في ذات الموقف أن النص هو الذي يفرض تأويلية العنوان و ليس العكس.

وللإفصاح أكثر عما نقصده مما سبق ،نتخذ من بعض القصص القصيرة جدا للكاتب ،مرتكزا لإيجاد تفسيرات للعلاقات الجدلية التي تصل العنوان بالنص
وليكن اجتباؤها عشوائيا ،إذ نسلم تمام التسليم بالتجدد المساير للتجربة الفنية لكل النصوص و كل الكتاب ،بيد أن تلك الصلات بين أول عتبة للنص و متنه قد تلازم الكاتب لفترة طويلة المدى ثابتة ،فتكون بذاك تقنية ذاتية مميزة ، تنسب إلى كاتب و لا تنتسب إلى غيره،وهذا ما يلاحظ عند القاص –ضيف الله- في عنونة النصوص الآتية: 1/البندقية -2/ حب عبر النت-3/ إذاعة -4/ شك امرأة-5/هي ومقامها الزكي -6/ المعلم -7/ليلة زفاف -8/ الدكتاتور -9/ انفجار-10/ الثوري.

مما لا شك فيه أن الكاتب يولي اهتماما بالعنونة ،لأن العلاقة بين العنوان و النص« علاقة جدلية، إذ بدون النص يكون العنوان وحده عاجزا عن تكوين محيطه الدلالي، وبدون العنوان يكون النص باستمرار عرضة للذوبان في نصوص أخرى»(2) نقول ذلك و نحن نحيط بإمكانية المغامرة في اختيارالعنوان دون أدنى تبرير ذاتي ،بالنظر إلى رمزية الخطاب القصصي في أحايين متعددة، أو بالنظر إلى سقوطه في السطحية و العادية و الابتذال .ولا نخال الخطاب القصصي –في أغلبه- في كتابات القاص الأنموذج * إلا نسيجا محكما ،ولا نراه إلا بناء منيعا ،لما هناك من رباط وثيق بين دلالة العنوان و الحدث الرئيسي الذي لا يلمس إلا في آخر الخطاب ،حيث تتجلى الفجائية و الانقلاب التأويلي. [البندقية] : بندقية ورثها البطل عن أبيه الذي اغتالته الشرطة ، اتخذ منها وسيلة للتباهي وسط الحي ،ولما أراد استخدامها لأول عهده بتجريبها،اصطادته رصاصة الشرطة.
[ حب عبر النت] :البطل يحب امرأة عبر النت ،استعانة بكمبيوتر العمل ،خفية عن زوجته ،يضرب موعدا لحبيبته ،فيجد زوجته في انتظاره،هي ذاتها حبيبة النت.
[ إذاعة] : افتتاح المذيعة برامجها بآيات من القرآن ،وما تلبث الآيات أن يزاحمها إشهار لأغنية نانسي عجرم.
[ شك امراة] :الشك يدفع بالزوجة الغيورة إلى محاولة الابتعاد عن البيت ،لعدم قدرتها على تحمل أناقة زوجها و ارتياده عالم النت ،تتفاجأ بعملية خطيرة سيجريها زوجها في باريس .
[هي ومقامها الزكي]: يملي عليها غرورها أن تتعالى عليه ،تبصره من فوق ،تطرحه أرضا ،وتلحق به ضحية لمقامها الزكي.
[المعلم]: يسعى إلى أن يكون نبيا ،ولما يلامس النبوة ،تتخلى عنه زوجته..
[ليلة زفاف]: يرضخ لإصرار والديه على زواجه ،تغمرهما السعادة ،فيجدانه معلقا في السقف.
[الدكتاتور]: يغتال كل ذبابة تصادفه ،وتعكر مزاجه ،يتنازل عن ديكتاتوريته،ويحلم أن يصير من الذباب.
[انفجار]: ما أبقى من المدينة شيئا و ما وذر ،حولها إلى دمار ،بمنأى عن أهاليها الذين غادروها ليلا.
[الثوري]:قرر أن يلحق بالمجاهدين و يترك الديار للنسوة،فانفجر عليه لغم المجاهدين على مشارف الجبل. يذهب تأويل العناوين المذكورة مذاهب مختلفة ،غير أن الالتقاء بينها يكمن في تضمن النص ما يحيل إليها ،أو بتعبير أدق ، لا تبتعد دلالة العنوان عما يتضمنه الخطاب السردي ،فلا يتباعدان و لا يتنافران ، بل يتشابكان في إطار تقابل سالب ،توضحه الفجأة و الدلالة المغايرة ،ولعل ذلك مما تختص به القصة القصيرة جدا ،بالنظر لبنيتها المحدودة في تراكيبها اللغوية –على الأقل- هذه المحدودية التي تمنح دلائل العنوان «فضاء أكثر اتساعا من فضاءات العمل ،وأشد منها ازدحاما»(3)

ذلك لأن العنوان –وتلك مسلمة في أي خطاب مرسل-.أول ما يصادف المتلقي ،فيجذبه أو ينفره ،ولا نجزم أن النصوص الرفيعة مستحسن عنوانها ،ولا أننا نستحسن النصوص الضعيفة التي تلمع عناوينها ،وتمغنط القارئ الذي يتفطن إلى سرابية المشهد بعد إطلالة برقية على فضاء النص.
فالبندقية إن شئنا تبيين دلالتها ، فهي ترمزإلى ضمان الحماية و الدفاع عن النفس ،يضاف إلى ذلك مدلولها التقليدي الذي كان يلصق بالسيف و الرمح قديما،ونقصد بذلك شيئا من الشهامة و الفطنة ،فكان للبطل حق التباهي بميراث أبيه الذي قتل ،وما نفعته بندقيته و ما نفعت ابنه .والثوري –نسبة إلى الثورة- يتميز بالمسارعة إلى طليعة الثوار والمبادرة إلى العمل الثوري ، يتخلف البطل عن الثوار ،يألف عيشة التداني مع النسوة ،ولما يقرر اللحاق بالرجال ،يقضي قبل وصوله بخيانته ،وبألغامهم . والإذاعة تطلق على الأثير آيات من القرآن ،شد على يد المقدس ، ولكن المسك بمغريات المدنس صار ضرورة يفرضها الذوق العصري .

شك امرأة ، يظهر هذا العنوان كلاسيكيا بالمعنى الزمني ، سطحيا مألوفا ،غير أن النص -بعد قراءته- يوسع من مدلولية العنوان و سعة تأويله ،لأن الخيانة التي تدفع إلى الشك ،اضمحلت في النص و تلاشت ،لأن مثابرة الزوج في الاعتناء بأناقته ،وارتياده عالم النت في الخارج كانا مظهرين اتصالاتيين ، يتعلقان بطارئ صحي.ولم يكن الشك في موضعه الذي وضع لأجله.

هي ومقامها الزكي، عنوان يوحي بمجهز و مجهز عليه ، لأن غرور الحبيبة وتعاليها يفتك بالعاشق في العادة ، وما يستبطنه النص مفارقة تمحو جاهزية استقبال العنونة ،حين تسقط تلك المرأة فريسة لغرورها ،وإيقاعها بذلك المعجب المغازل.

ليلة زفاف ، تركيب مألوف مستهلك أيضا ،لا نخاله سابقة في مجال عنونة النصوص العربية و غير العربية ، ولعل التأويل الثابت لهذا العنوان ،لا يعدو أن ينظر إلى ما سينتج عن البناء الدرامي للنص السردي ،باعتبار أن الموضوع حفل وقران و سعادة،وإن لم يكن كذلك فهو مأساة تلي هذه الليلة ،ولكن النص يخفي معاناة سبقت الليلة التي لم تحقق في القصة تحققا فعليا وزمنيا. والرؤية ذاتها ،وبنفس المفارقة ، والانزياح عن المنتظر الذي أملاه العنوان ،نجدها في النصوص الثلاثة الأخيرة ،فالثوري لم يعد ثوريا لما تأخر في إعلان ثوريته ،والانفجار الذي يفتك بالبشر ،خرب المدينة حين غادرها سكانها ،والدكتاتور مثل –هي-في هي ومقامها الزكي ،غير أن هبوطها واقعي ،وهبوط الدكتاتور كان افتراضيا..

يترك القاص –عبدالقادرضيف الله- ما أطلق عليه أيزر مصطلح –الفراغات- التي رأى أنها«مفاصل حقيقية للنص ،لأنها تفصل بين الخطوط العريضة و الآفاق النصية…..تثير التخيل

لدى القارئ ،وعندما ترتبط الآفاق بالخطوط العريضة تختفي الفراغات»4 هذه الفراغات مثلما أوضح آيزر ،هي المستند الذي يتكئ عليه التأويل ، فيبصرالمتلقي النقطة التي يلتقي فيها العنوان بالمعنون ،حينئذ تضيق الهوة بينهما إلى حد التلاشي ،حتى و إن كانت دلالة الأول موازية لمدلول الثاني كخطين متوازيين ، غير أنهما يتقاطعان ويتداخلان ، بينهما برزخ ولكنهما يبغيان.

هوامش: 1/ أمبرتو إيكو .القارئ في الحكاية .ت.أنطوان أبو زيد.م-ث-ع/ط1.ص63 */ الكاتب ع.ق .ض الله. 2/الطاهر رواينية .الفضاء الروائي في الجازية والدراويش – لعبد الحميد بن هدوقة- دراسة في المبنى والمعنى، المساءلة، ع1. 1991، ص15. 3/ د.محمد فكري الجزار .العنوان و سيميوطيقا الاتصال الأدبي.ه.م.ع.ك 1998 ص.69 4/ عبد العزيز طليمات. الوقع الجمالي وآليات إنتاج الوقع عند إيزر .ص.66 عن مقال لحبيب مونسي / في القراءة و التأويل.

السابق
تجلّي
التالي
أدب الطفل من الورقي إلى الرقمي

اترك تعليقاً

*