مقالات

الومضة بين مبدع و متلقي

لا أريد المرور عبر المصطلحات و تحديد هوية و تعريف القصة القصيرة جدا؛لأن ذلك كأنه يبحث عن الذات الموجودة، فهي و إن كانت تعرف صفة قصصية موجزة ، تتميز بنزعة رمزية ،مباشرة و غير مباشرة و جمل قصيرة مكثفة لغويا تحمل المعاني العميقة و الأسئلة الوجودية كغيرها من أنواع الإبداع ، فهي كذلك مطلب حضاري و ضرورة وقتية ؛ لأن العالم أصبح قرية صغيرة و لأن الشعر تولد عنه الحر و النثري و “الهايكو” و القصة الطويلة تحولت إلى قصيرة فقصيرة جدا ،فالرواية و الرواية القصيرة جدا…
إذن فهذا تطور طبيعي للعملية السردية و الإبداعية ، فهل جاء هذا اللون ليمحو اللون القديم ؟
1_ إشكالية التطور:
هذا السؤال هوا لذي تتشعب منه الآراء الثلاثة عن القصة القصيرة جدا، كما حدث مع الشعر الحر و القصيدة النثرية و يتعلق الأمر بعادة القارئ و الناقد 1- فظهر الموقف المحافظ:يدافع عن القواعد الفنية و تشريعات العمل السردي في صيغة القديمة
2- الموقف الحَدَاثي: وهو راديكالي يدافع عن التجديد و قبول تغيير الأشكال الفنية ، فكم عارض الأدباء و منهم فيكتور يغو ، المذهب الرومانسي واندمج فيه و أصبح من رواده
3- موقف المُتحَفِظون: الذين ينتظرون النتائج و ردود الأفعال و أن يفرض هذا الجنس نفسه ليقولوا كلمتهم.
المواقف الثلاثة هي التي تصنع الحراك و التفاعل تجاه أي مولود إبداعي، صحيح أن الآراء الثلاثة قد يصنعها النقاد، و يبقى موقف القارئ المعتمد أساسا على الإقناع و التجاوب ليضع نفسه أمام السؤال، ما هذا النوع ؟
2 – الجذور:
قد يتلمس القارئ الواعي روح المقامة العربية أو سجع الكهان و أدب النثر و الخاطرة عند العرب ،وهو لا يستبعد غرابتها عن الأسلوب الإبداعي العربي ، مما يوحي بأنها مستوردة ضمن حركة التأثير الغربي كالرواية و الشعر الحر و يدرك ، من غير شك، أن كل نوع له مميزاته و خصائصه ، فعندما نكتب بالفرنسية أو بالإنجليزية مثلا،و أنت تفكر بالعربية و الفكرة نابعة من المكونات الحضارية الاجتماعية – الخصائص الفيزيو مكانية بمعتقدات روحية و قناعات فكرية ، فأنت عندئذ لم تكن فرنسي أو انجليزي..
صحيح أن هذا اللون من التعبير عرف انتشارا و إقبالا في المشرق العربي، في بلاد الشام، فلسطين العراق و مصر، إلا أنه تأخر في المغرب العربي إلا في المغرب و تونس بعض الشيء؛ الأسباب متعددة و موضوعية في بعضها، لماذا تأخرنا ؟
1 – سيطرة الرواية على المكونات السردية ،فتراجعت حتى القصة القصيرة و شعر النثر تغلب على العمودي و التفعيلة
2 – غموض السرد المكثف و صعوبة تتبع إيحاءاته العميقة و دلالات المعاني الحضارية و الوجدانية المتراكمة
3- عزوف دور النشر و الطبع عن التعامل م الق ق ج بسبب العامل التجاري المكلف ، ففي أغلب الحالات تحتوي المجموعة القصصية القصيرة جدا على 50 خمسون قصة ومضيه و يعني أنها أقل من 30 ثلاثون صفحة و إذا زادت على ذلك تصبح مملة و تفقد التركيز المطلوب 4 – التسارع نحو الشهرة و إيجاد مكان لذات المبدع المتطلع للآفاق الإنسانية العابرة للحدود و القارات ..
3 – و رغم الكل فهي ضرورية:
ففي مضمونها تنأ عن التوصيف الأيديولوجي و تناقضاته
-التحولات الحضارية السريعة و تثمين اللحظة التي كانت مهملة من عمر الزمن
– سهولة قراءتها مع وجود المتعة إذا اعتمد البناء على اللغة الشاعرية المغرية
و في الختام أرى أنها جاءت في وقتها و ستعرف الانتشار الواسع و يبرز مبدعون كبارا من مغربنا العربي
و أختم بهذه الجزئية المهمة من القرآن الكريم قال تعالى في سورة النحل (قَالَ يَا أَيُها المَلأُ أَيٌّكمْ يَأتِيِنِي بِعَرشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأتُونِي مُسلمِينَ قَالَ عِفرِيتٌ مِنَ الجنِّ أنا آتيكَ بِهِ قبل أنْ تقومَ من مقامِكَ وإنِّي عليه لقويٌّ أمينٌ 39 قال الذي عنده عِلمٌ من الكِتابِ أنا أتيكَ به قبل أن يرتدَ إليْكَ طَرْفُكَ)
فقد اختار سليمان الرمش على حركة الوقوف لنقل عرش سبأ، فيمكن أن تنقل الومضة الرواية
في سطور ،و هنا أشير إلى قيمة الزمن و تطابق الحركة معه…

السابق
الكمين
التالي
حَصادٌ

اترك تعليقاً

*