القصة القصيرة

الوهم

ينهض مع الفجر ، يؤدي صلاته ، ثم يشرع في تحضير الفول و الحمص و بعض المكسرات الزهيدة ، يضعها في عربته الصغيرة ، بعدها يسوقها أمامه في العتمة بخطوات أربعيني لم تؤثر فيه الكهولة بعد ، لا يتبيّنه إلا أولئك الخارجون من المسجد الذين تعودوا أن يبتاعوا منه الفول الطازج بالماء المالح ،يستهلون به صباحهم ، و هي عادة اكتسبوها منذ القدم ، بعدها ينتقل إلى بعض المشاريع القريبة منه يقدم للبنائين خدماته المتواضعة التي تتناسب مع أجرتهم ، و ما إن تبدأ الشمس في الطلوع و تفتح المدارس حتى يقبل عليه الأولاد ليقتنوا ألوان الحلوى التي يعدها في منزله، و هي سكر مذاب على برتقالة صغيرة تُحمل بعود ،أو سكر في قلب قوقعات تثير شهية الصغار، و عندما تصل الساعة الثامنة، يتقدم بعربته عند أقرب محل ، و يتركها في الحفظ و الصون ، لا يقترب منها أحد ، ثم يقصد مقر العمل الرسمي، و هو إداري محنك ، يلجأ إليه الموظفون كلما أعيتهم مشكلة إدارية . بعد الدوام ، لا يرجع إلى منزله ، بل يكمل بيع ما تبقى له من سلعة، و لا يركن إلى منزله إلا ليلا ، نفس العمل يقوم به منذ عشر سنوات و لا أحد ممن يعرفه أنكر عليه أو طلب منه الإجابة عن سبب هذه اللهفة أو المبرر لكل هذا الشقاء ، كما لم يسألوه عن سبب بقائه عازبا طوال هذا العمر .
قبل أن يسلم نفسه للنوم يفكر في تلك العينين اللامعتين اللتين يراهما يوميا من خلف النافذة في أعلى تلك البناية في طريقه إلى العمل، يشغله أمرهما ، و يحيره، فهو منذ عشر سنوات لم يتقدم بخطوة ، ولا هما كذلك، يأخذان منه عادة التفكير ساعة أو ساعتين ، ثم ينام ليبدأ صفحة جديدة خالية من أي همّ ، لكن المؤكد أنه سيكون له يوما ما مع هاتين العينين شأن عظيم.
ليس له مشكلة مادية مع أي فاتورة أو أي استحقاق ، إلا أن الهاجس المادي هو أول اهتماماته دائما ، كما هو أول مخاوفه ، فمنذ وفاة والده الذي ترك له مبلغا محترما من المال ، و هو وفيّ لنهجه أبيه في السعي الحثيث ، لا يعرف لا أصدقاء و لا وقتا للراحة ، و لا يعترف بمندوحة للترفيه و الاستجمام ، لم يخرج من بلدته يوما ، لأنه لا يمكنه أن يترك العمل الذي يعني له أرقاما جديدة ، و لكنه مع ذلك لا يخسر شيئا حين يكرّس ساعة أو ساعتين من التفكير و التفاعل مع تلك العينين اللامعتين في تلك العتمة ، لا بأس من التوقف أمام هذا الوفاء اليومي منذ سنوات، الأكيد أن صاحبته تكنّ له من المشاعر أنبلها ، و لكن يبدو أنه لن يتحرك إلا بمعجزة أو بزلزال يغير جميع المفاهيم .
هذه الليلة تقلب كثيرا على فراشه ، لم يفكر في تلك العينين ، بل لم يكن تفكيره منصبا على شيء بعينه ، هي صور تعرض أمامه يعجز عن توقيفها ، و لكي يخدعها يحاول استحضار تلك العينين ، وما إن تستجيبا حتى تتشبثا فيه و لا تتركاه ، فتصبحان هما في حد ذاتهما مشكلة ، يقنع بهما بوصفهما مشكلة ممتعة، و لكنهما تبالغان في وظيفتهما ، فترهقانه حتى يبدو عليه التعب في الصباح ، ويصبح منظره مع الأيام ملفتا للنظر، و يصير فجأة عرضة للشكوك التي تحوم حول كل المواضيع لا تحاشي شيئا، حتى رست على افتراضية دخول أنثى في حياته ، فأصبح عرضة للتندر بالتلميح ، و مع الأيام صدق نفسه بأنه مغرم ، و صدق أيضا أنه مثل باقي البشر، لذلك قرر أن يبحث عن صاحبة العينين .
استقر رأيه على أن يضحي بقيمة مبيعات أمسية ، فأعد في الصباح بضاعة أقل من المعتاد ،و سأل عن ذلك المنزل ، فعرف بأنه لشخص موسر يؤجر هذه البناية لمجموعة من الأشخاص من بينهم عائلات ،وله في الطابق الأرضي مجموعة من المحلات، فبدأ يتقرب منه ، و يجلس معه حتى وقت المغرب،يتفحص وجوه الفتيات اللواتي يصعدن البناية . مكث شهرا كاملا ، لم يلاحظ أن أي واحدة منهن يمكن أن تكون هي ، فقرر أن يؤجر غرفة في البناية بحجة أنه يريد أن يهدم بيته و يعيد بناءه من جديد ،و من المصادفات أن كان البيت الذي تبدو منه العينان مقابلا لباب بيته ،طار فرحا في بداية الأمر، سكن غرفته شهرا ، و هو لا يجرؤ أن يسأل عن صاحبة البيت ، لكن الأمر طال ، و لم ير الباب فتح و لو مرة واحدة ، سأل مرة صاحب البناية ، فأجابه بلامبالاة :
ـ لا يهمك أمره ..
توقف عن جر تلك العربة ، فتخلى بذلك عن ذلك المبلغ الإضافي الذي كان يميزه عن بقية زملائه في العمل ، و أصبح يسدد مبلغا زائدا و هو الإيجار .مرت الأيام و فكره يروح شمالا و يمينا حول ساكنة البيت إلى أن تخوف من أن يكون مسكونا بالجنيات ، حاول جر المالك إلى سره بأسلوب غير ملفت للنظر، فكان يتهرب من سؤاله ، إلى أن صارحه يوما :
ـ من التي تسكن البيت ؟
ـ البيت فارغ منذ عشر سنوات ، أخشى أن يتهدم بين الفينة و الأخرى، لا أحد يشغله ..
ـ إذا يمكن أن تؤجره لي ؟
ـ نعم بكل سرور..
دخل البيت فإذا هو بيت مهجور ، لا شيء فيه يوحي بأنه كان مأهولا ، لم يصدق ما يراه ، عرف أنه كان مسحورا منذ عشر سنوات.. اعترته قشعريرة ، قاومها ، تقدم إلى النافذة فتحها ، فإذا فيها رسم عينين بمادة تلوين تلمع ليلا إذا تعرضت للأضواء ، جلس من شدة الصدمة على كرسي مغبر، عرف أنه كان مغفلا طيلة هذه الفترة ، نزع الصورة ، و رجع في نفس الوقت إلى منزله القديم ، فنام نومة هانئة لأول مرة منذ سنوات ، و لم يستيقظ إلا مع وقت العمل الإداري . بعد مدة رجع إلى المالك فوجده حزينا ،فسأله عن السبب ، فرد عليه :
ـ يا صديقي إنك منذ أن خرجت من البيت ، شرع المؤجرون يغادرون الواحد تلو الآخر ، حتى المتزوجون ،لم يبق منهم أحد ..
ذلك الرسم كان لطفل صغير ، لقد عمّر إبداعه البريء البناية لعشر سنوات دون علم المالك ، الملفت للنظر أن ذلك الطفل ما زال يعبث بهذه الهواية من بناية إلى أخرى حتى الشيخوخة ، لكنه لا يحس بضحاياه أبدا ..

قاص و شاعر و كاتب

السابق
غرور
التالي
مواكب الفرح

اترك تعليقاً

*