القصة القصيرة

الوَهْم..

أحسستُ بأنّ هناك شيئًا مريبًا يسود بيت دانية، فقد فتحتْ لي البابَ واجمةً، وردّتْ سلامي بِبُرودٍ، وانسحبتْ إلى المطبخ بلا اكتراثٍ، فحتّى لباسُها لم يكن ذلك اللباسَ الذي يشي بالفرح والسعادة. جلستْ على كنبة مفردة واضعًا يديَّ على ركبتيَّ، أتأمل سقف الصالة.
جاءت دانية تحمل صينيّة القهوة، وقدمتْها لي، فارتشفتُ منها قليلاً ثم وضعتُها أمامي، وجلستْ هي أمامي على كنبة أخرى، وشبّكتْ أصابعَها، وقد بدا عليها الاضطرابُ.
– ما بكِ دانيةُ؟
* لا شيء، اشربْ قهوتَكَ!
تناولتُ فنجاني وأخذتُ أشربُهُ بتسرّع حتى أنهيتُه. ثم تساءلتْ:
والآنَ، ما بكُ؟!
* قلتُ لكَ، لا شيء!
سَلَتَتْ خاتمَ الخطوبة، الذي لم يمضِ عليه شهران، من أصبعها، ووضعتُه أمامي على الطربيزة.
* ما بيننا انتهى. وقامتْ، وتركتْني لا أحيرُ جوابًا. تمالكتُ نفسي ودخلتُ على أبيها المنسَدِح على سرير الشفاء. سلّمتُ عليه وجلستُ، نظرت في عينيه مستفهمًا، والدموعُ تترقرق فيهما. هزَّ رأسَه وقال: إنها مريضة بالسكريّ، ورثتْهُ مني.
ماجتِ الدنيا بي، وخرجتُ هائمًا على وجهي، لا أدري ما أفعل. أذرع الشوارع طوال ليلتي تلك، ثم عدتُ إلى البيت منهكًا، ونمتُ بلا حراكٍ. لاحظتْ أمّي أنني لم أذهبْ إلى عملي، فأعدتِ القهوة، ودخلتْ بها عليَّ باسمةً: أراكَ متعبًا اليوم!
هززتُ رأسي موافقًا.
فعاجلتني: كيف دانية؟
تلعثمتُ، وقلتُ: بخير!
فقالت: إذنْ؛ مالكَ؟!
قلت: إنها مصابة بالسكري!
تغيّر لونها، واهتزّ الفنجان بيدها: لهذا عدْتَ متعبًا الليلةَ.
– لقد فسختِ الخطوبة.
* ماذا؟! ولِمَ؟!
– لا أدري.
* يا ابني، إذا كنتَ تحبُّها صادقًا فعُدْ إليها؛ إنها تحتاج إليكَ.
ونهضتْ خارجةً، وعيناها تفيضان بالدموع! وأدركتُ حَرَج الموقف الذي أنا فيه، وحاجتي إلى قرار حاسم وعاجل.
في المساء اتصلتُ بدانية، وردَّتْ بعد ثلاث مرات. بصعوبةٍ أقنعتُها بحاجتنا إلى أن نخرج قليلاً. تمشينا صامتيْن بهدوء، ثم اتخذنا ركنًا هادئًا في أحد المطاعم.
– دانية، ”السكري” ليس نهاية الحياة، إنه كغيره من الأمراض. كلُّ إنسان معرَّض للإصابة به.
* أعرفُ ذلكَ. لكني لن أتزوجَ أبدًا؛ فمرضي وراثي، وسأورّثه لأولادي، إن أنجبتُ.
– لكنَّ مرضَكِ لن يؤثّر في زواجنا، وحياتنا سويًّا.
* وما ذنبكَ أنتَ؟! لستَ مضطرًّا لتعيشَ حياتكَ مع مريضة به.
– سنتزوّج، وستنجبين، بإذن الله.
* أرجوكَ، إن نسبة السكر عندي قد تجاوزت حاجز الثلاثمئة، وحالتي ميؤوس منها. كلما نظرتُ إلى أبي وعلب الدواء المتنوّع أدركتُ أنني سألقى مصيره، طريحَ الفراش مصابًا بفشل كلوي، أنتظر الموت في أي لحظة. فلم أغامر بزواج لن أجني منه إلا أطفالاً مرضى يعانون ما أعاني.
– ومن قال ذلك؟! إذا انتظمتِ بسلوك صحيّ سليم فلن تُحْرَمي نعمة الأمومة، وستكونين أجملَ أمٍّ لأولادي.
قلتُ جملتي الأخيرة وأنا أسحب يدها اليمنى لأضع خاتم الخطوبة في بِنْصَرها، وعينانا تتلألأ بدموع الفرح.
في اليوم التالي ذهبتُ ودانية إلى طبيبة مختصّة، أكّدَتْ لها أن إصابتها بالسكري ما زالت في بدايتها، وأنّ كل ما في الأمر أنها تحتاج إلى نظام حمية وغذاء جديد، يتناسب مع حالتها، وإلى جهاز لقياس نسبة السكر، وإلى ممارسة الرياضة.
ربتّ على كتفها، وهمستُ لها: ”ولا يهمّك؛ أنا معك”. فهزتْ رأسها وابتسمتْ.
بدأتُ ودانية بوضع خطة علاجية وقائية، باستشارة الطبيبة واختصاصية للتغذية، تعتمد على تغيير جذريّ في نوعية الغذاء، بالاعتماد على الخضار وبعض الفواكه قليلة السكر، وتغيير نظام النوم والسهر، والإكثار من الرياضة المنزلية، والمشي.
وبعد ثلاثة شهور أظهرتِ التحاليل الطبية التي أجرتْها دانية تغييراتٍ إيجابية؛ فقد نزلتْ نسبة السكر في الدم، وانخفضتْ نسبة السكر التراكمي إلى نسب مقبولة، واستقرّ وزنها عند حدّ معيّن مناسبٍ للكتلة والطول، وأهمّ من ذلك كلِّه أن حالتها النفسية قد تحسّنتْ كثيرًا، وأصبحت أكثرَ إقبالاً على الحياة.
كان هذا حديثنا نستذكرُ تفاصيل ما جرى معنا بدقة، ونحن نجلس تحت شجرة كينا نقشنا عليها اسمينا قبل ثلاثين سنة، حين كنا خاطبيْن.
عشنا ودانية، وأنجبنا بنينَ وبناتٍ، وأبيضّ الشعرُ، وكَلَّ البصرُ. ولكننا ما زلنا ذلكما العاشقيْن اللذين تحابّا بصدق، ووقف أحدُنا إلى جانب الآخر.
كان ”السكريُّ” لينال من عزيمتنا، وليفرقنا لو تركناه يسيطر بوهمه على حياتنا، ولخضعنا له، ولاستكنّا، ولم نتغلبْ عليه، ولما تعايشْنا مَعَه.

السابق
مجرد حلم
التالي
سوزي

اترك تعليقاً

*