القصة القصيرة جدا

انتحال بذلة

..شعرتُ بآلة المحو تذروني هباءا كما كمشة غبار.! هل كنتُ حُروفا ركيكة، خرساء، في مسودة قذرة، تستلزم ممحاة.!؟ وإلا لِما نزلت علي نظرة القايد، كما تنزل الممحاة على حرف ساقط.!؟ لم اتطفل على باب بيته. بل كنتُ اقف بباب الادارة، التي اشعر، دائما، انها تدير ظهرها لي، كما يدير كتاب دفته امام حرف ضال.! ولم اكن اريد سوى عقد ازدياد، لكن نظرة القايد، التي حسبت انها ستحميني من نظرة احتقار في عين الشيخ، نزلت علي كما ممحاة على حروف نافلة.! اغضبه ان اجلس على الكرسي، امام مكتبه، دون إذن منه. كما اغضبني ان لايدعوني للجلوس، مع ابتسامة بشوشة، كما فعل مع الذي دخل قبلي، وكان يرتدي هنداما انيقا تُتوِّجهُ ربطة عنق ..ابتسام. ترحيب. اهتمام..ثم على العين والرأس.! لكن معي هل كان الراس نفسه والعين نفسها.!؟ لا ادري..! لكن النظرة لم تكن نفسها.؟ لانه لم استطع لف جيدي بربطة عنق.
فكان صاحب الربطة انسانا، وكنتُ..قطعة ميكا ساقتها الريح لتعلق في شباك القايد..!!
ثم اخرج مكنسة اوامره، وكنسني خارج الادارة، صائحا:
– اوباش.. لايعرفون استئذانا، ولانظاما..تفو… الحرّ يفهم بالغمز، والعبد يلزمه الوخز واللكز..!
لذلك قررتُ ان ابحث عن وسيلة لأحظى، ولو لبضع دقائق، بالعزة والكرامة، وأُستقبَلَ بالبشاشة والتهليل.. وتفضل سيدي..؟ انا الذي طالما نشر كرامته امامه كبضاعة فاسدة في سوق العمل، وطالما رآى كرامته، وهو عائد الى العائلة خاوي الجيب، كَرْمة عارية للريح والمطر..!
لا أملكُ مالا لاقتني كرامة بربطة عنق؛ ولا أملك سبابة السلطة التي تأمر : كن ..فيكنْ..! انا ربٌ عائلة، وبالاصح صنم عائلة لايملك ان يستجيب.! وما عساه ان يفعل صنم عائلة من القاع، امام ارباب المال والسلطة.!؟ ولهذا صممتُ على سرقة بذلة بربطة عنق، من منزل ابن عمي، الذي يحتفظ بها للمناسبات الرسمية، ليضاهي كبار الشخصيات، الذين يحرص على ملازمة مجالسهم، لوقت محدود،ثم اعيدها بعده الى حيث كانت، فلايمكنني شراؤها انا الذي لولا الخرذوات لظلت عورتي وعورة اسرتي في العراء..!
وكذلك فعلت، في يوم مشهود..إذ توجهتُ الى مقر الجماعة لرؤية القايد، والاستمتاع بالعزة والكرامة التي تفوح من البذلة والربطة كالعطر، ولو لدقائق معدودة او وهما، فالوهم اهون من مهانة عارية.! تبعني عدد من ابناء الدوار، معتقدين اني فقدت عقلي بتأثير الحشيش.؟ ربما كان الامر كذلك. وإلا لِما وجدت نفسي، اخيرا، بين قبضة الدرك، وابن عمي الذي تبرأ مني، يقرأ علي، انا الذي لم يكلم، يوما، حرفا، محضرا، علقت منه بضع كلمات في ذاكرتي :
– انت متهم بانتحال بذلة، والاخلال بالنظام العام للذوق الرسمي..!
فقلت، دون صوت :
– انا…الى السجن.؟
وتساءلتُ، بيني ونفسي :
– أدائما يمر شارع الكرامة، من بوابة السجن..!؟

السابق
دين
التالي
كلاب الصيد

اترك تعليقاً

*