القصة القصيرة جدا

انتظارٌ

فرنسا كانت رحلته الأخيرة، كانت أنشودة من عطر ، وضياء، ونساء عرفن مكامن الأنوثة فيهن فعرضنها. تربّى في بلاد لها للحرية أبواب ، وحرّاس… الحلمُ طُرقه ضيّقة، والرغبات إن خالفتِ الشيخ والعائلة زندقة ، وكفر بواح. تَمَرُّدٌ أخفاه في داخله، فهو شاب تخرّج من الجامعة ، يرفض أن يُقادَ.. خارج حدود البلاد تعرّى من رداء الطاعة. في فرنسا ركض في طرق الحرية حافي القدمين، ارتوى من منابع حَلُمَ بها ، لا شيخ يرقبه، ولا عائلة. فكّ مرابط غرائزه . قضم من تفّاحات الخروج من جنة اعتقادات بلاده كيفما شاء .
من فترة صارت الحمى تطرق أبواب جسده ، السعال المستمر يكاد يخلع قفص صدره، بعض الالتهابات الجلدية أثارت مخاوفه .. شكّ طبيبه في حالته.. وبالتحليل عرف.. لا مفرّ من اعلامه .. حاول تخفيف الخبر، إن خفّفه باللفظ ، فهو في الجسد والنفس زلزال مدمّر.
ذهل.. لم يصدق . شَرَدَ.. كيف ستكون نهايته بهذه السرعة ؟ هل الأحلام التي رسمها ستُقْبَرُ قبل الولادة؟.. هل البيت والزوجة و الأولاد صدر الأمر فيهم : سُحِبَ بساط الوقت من تحت أقدامك، فستعدّ للرحيل ؟.صرخ : لا..لا.. لايمكن أن أخرج من الحياة بهذه البساطة.. شكّ في صحة التحاليل، لكن بتكرارها تأكّد كلام طبيبه. طال صمته، في ذهنه راجع كل علاقاته التي يمكن أن تزرع في جسده بذرة الموت .. تلك لا يبدو عليها أي مرض.. ربما في تلك النحيفة ..أو ربما في تلك الفتاة السويسرية الأصل..لام نفسه .. كان كالبدائي لا يملك أي ثقافة تحميه . تمنّى لو كان كلّ الناس يحملون هذا المرض ، لخفّ ثقل الحزن عليه .
الانتظار يمزّق في شرايين اصطباره ، الموت القادم سيطرق بابه في أي لحظة ، من سيحميه منه؟ قوة جسده التي تفتّتتْ كصخور أمام عتوّ الأمواج ؟ أم العقاقير التي أعلنت انهزامها أمام بذرة الموت المتسللة من أجساد الحسان ؟. صرخ في داخله : مللتُ الانتظار ..متى تأتي أيّها الموت حتى ينتهي آخر فصل من مسرحية الألم؟؟
زار المقبرة، تأمل القبور التي سينام بجوارها نومته الأبدية ، قرأ الأسماء، والألقاب ، و الأعمار. صمت قليلا، صرخ.. ضحك.. رفع يديه إلى السماء، قال : أحمدك يا رب، كنتُ محظوظا في هذه الدنيا ، أغلب نُوّام المكان أصغر مني ، تعاستي في انتظار الموت.. وسعادتهم في جهل موعده. أنا هنا أيّها الموت في الحياة الجميلة . لن أنتظرك..لن أنتظرك ..

السابق
أول نبض..
التالي
عاهات

اترك تعليقاً

*