القصة القصيرة

اندلاق الكروش

تندلق كرشك ،رخوة مترهلة ،تكاد تلامس ركبتيك، تحجب ما تحت حزامك : خنفساء تدح كرة فضلات حوانية ! خطواتك ثقيلة : واحدة من الإسمنت ،وأخرى في الإسفلت ! ضحكة سخرية مكتومة :يغوص ظفر أمي في فخذي : خلق الله لا عيب فيه يا قليل الأدب ! أصرخ ، أتأوه ! يندلق فكك السفلي نحو صدرك : تمساح يأخذ حمام شمس ! تضحك ضحكة صفراء تمسح بها إهانتك ! تقذفني نظراتك المخيفة في سعير جهنم ! أعيد ترتيب أوراقي لتفادي مواجهتك !
تمسح صفوف المقاعد الخلفية بتوجس ! راحتك هناك في: الخلف ! يتحاشاك زملاؤك ، و أنت تتحاشى كتلة اللحم تلك : رغم ذلك تتفوق عليه في اندلاق الكروش ! تسمعهم يقولون : كر ش مندلقة عقل مخبول ! تمسح خيبتك بتلابيب المعلم : يدح أمامه كرة اكثر اندلاقا من كرشك ! قبضتك فولادية قوية بليدة لا ترحم ! فقط عصا المعلم المليئة بالنتوءات تحد من سطوتك ! خنزيران بريان موحلان ،مقيتان!
تكرهه و يكرهك : تبادل مجاني لمشاعر سخيفة !
سرواله فضفاض واسع : يلفظ يوما تبانا صغيرا قرب السبورة ! ثمانون عينا ، تخرج مندهشة من محاجرها ! تسري همسات خفيفة في القسم وتتسرب عبر الصفوف، و من الباب إلى خارج القاعة : قطرة زيت في قماش أبيض ! ربما إنه تبان ابنه الذي لم يحول بعد ! ربما يرتدى سراويله مباشرة من سلة الغسيل ! تقهقه ببلادة ،لم تكن تعرف أنك تبوس فم الأفعى ! تركل دبابير مخه في تجويفها ! تحمر عيناه ، يتفل نار قلب جهنم ! يراقص عصاه ! يصوب نحوك رأسها :
– التخين ، المستكرش، البليد ، الحقير ،الخنزير ،قم إلى السبورة !
تحس بالبلل يتسرب ساخنا منك و يستقر في قاع مداسك ! تشرنق يرقة مخيخك ! أما مخك ففوقه طبقة سميكة من الصدإ ! معطل تماما منذ زمن : نصف فكرة ،ربع جملة ، يخونك التركيب ! يقع لك انحباس لغوي ثم شلل دماغي تام ! يخضب المعلم بنانك ، يقلم منه الأظافر : ترقص رقصة الأفعى من الألم !
-قل : v يا بليد ، عض على شفتك السفلى، و اترك لسانك يركل في عمق حنكك الى السقف ! أ فهمت يا خنزير البرك الضحلة ؟!
ترتعد فرائصك ويزداد منك خروج البلل ويثقل عليك مداسك فتقول :
-في..fi ……..fi……..fi!
يثور في وجهك ،يعالجك بلطمة قوية، ثم ركلة على مؤخرتك ،فيعانقك الفراغ !
-اقول لك :-..ve…ve… وتقول.. fi..fi…يا ابن ال…………. !
يوحي له شيطانه بخطة جهنمية، وإن تكن نتائجها خطيرة العواقب :
-فمك ضيق يامتسخ !سأوسعه بعض الشيء لتقول: ve.. عوض fi !
يدخل أصبعيه في فمك ويجر بكل قوة ، يمزقه من الجانبين ! تصيبك نوبة ألم ممزوجة بالقاني ! تتسرب كالجرد من شق الباب ، وتصده خلفك بكل قوة وتطلق ساقيك للريح ، تستنجد بأمك :
-أمي !! وا حادة !! و امي !! وا حادة !!
وتختفي عن أنظارنا ،المعلم بدا في وضع لا يحسد عليه، ربما تسرب منه البلل هو أيضا . ألم يقولوا : (كيف تدين تدان ) ؟! يعرف ثورة أمك “حادة ” إنها بركان يقذف نارا ! لذلك يلقبونها : “تسونامي” الحومة ! فثورتها تأتي على الأخضر واليابس،! فقد تجاوز الخط الأحمر !
يشبك قبضتيه خلفه ! ذهابا…إيابا…ذهابا .ايابا ،من زاوية إلى أخرى ، لا يستقر على حال ! تسونامي قادم لا محالة ! من بعيد تلوح أمك “حادة ” تترنح وتتهادى : شبح مركب جانح في قلب عاصفة ليلية !
يزداد قلق المعلم ، تتدحرج حبيبات العرق الباردة من جبينه الدسم ! يكسر كبرياؤه أمامنا ! دون تحية أو سلام ،هجمة بتراء :
– هذا الولد مزقت فمه ! ما باله ؟ ماذا فعل ؟
بارتباك واضح ، يربط حزام سرواله بإمعان ، خفنا أن يكون فعلها :
-يا سيدتي لم ينطق v عوضها ينطق fi !
– إذن مشكلة نطق تعالجها بعاهة ، يا ابن الكلب، يا ابن الشوارع؟!
عضلات لسانه ترتخي ،يلصق عينيه بالأرض ! حادة ” تسونامي ” تتناول قنينة زجاج كانت فوق مكتبه وتهوي بها على أم رأسه بضربة قوية ،يفقد توازنه يكاد يسقط !يغوص في بركة من الدماء أمام أعيننا!
تقذف بك خارج قاعة الدرس، و تترك المعلم يتأوه ويتألم !
-ملعونة هذه المدرسة ، أبوك سيعلمك يا ولدي ، و تدفعك أمامها! وتختفي من مقاعد الدراسة نهائيا ! كنت تبحث عن سبب مقنع لتغرب بوجهك عن ذلك المجرم ! ويبقي مكانك شاغرا منذ ذلك اليوم !
أبوك ثعلب ماكر ، كانوا يشكون في ولائه للمقاومة ،يقولون : كان يتاجر في أحرار البلاد ويبيعهم لقوات الاحتلال بدريهمات قليلة ! هم علموه سياسة الانبطاح ! وسياسة النفاق ! لذلك كان غير مرغوب فيه في حومتنا ! كان يردد على مسامعك دائما :
– وأنت تسلم ،انبطح حتى تلامس بطنك الأرض ! لاترفع رأسك حتى يأذن لك الكبير بالقيام ! الانبطاح واجب الصغير تجاه الكبير شريطة أن يكون ممزوجا بتقبيل ظاهر وراحة اليد ! الصغير/صغير والكبير/كبير!
لم ترضع الانبطاح من (ضرع )أمك ، تلك الروح الهائمة في ملكوت الدروب تقتات على أعراض الناس! تعلمته من أب ماكر ،وأم (بقرة طواحة، عوادة ) لا تصلح إلا لفراشها المعطر بالتوابل وروائح الثوم وحتى بروائح براز أخيك الصغير !
أنا اختلف عنك : أمي تلذغني كالأفعى عندما أسخر منك وتعلمني أن لا عيب في خلق الله! أمك لم تكن تهتم لحالك وأنت في القماط : تبكي فتعالجك بمصة أو مصتين على عجل من ثديها المترهل كحبة فلفل مشوية وتتفرغ لافتراس الناس ! لذلك كنت تعضها من حين لآخر وتشدها من شعرها المنفوش كعش الغراب !
أبي يقول لي دائما :
-يا ولدي إن الأشجار تموت واقفة ،وكل بني آدم أبناء تسعة !
أما أبوك فكان يقول لك :
-الانبطاح دليل على الاحترام : (الصطل صطل ، والقب قب )!
لهذا كنت أجلد واقفا وكنت تجلد منبطحا ! كنت أخترق هامته بنظرات التحدي ،وكنت تقبل حذاءه وتبلله بلعابك ! فتجرأ عليك ومزق فمك !
ما أشبه اليوم بالبارحة ! ها أنت اليوم تنبطح أمام أسيادك ! وحتى أمام تلك الحشود من السذج ! تبتلع كذبك ، تتلو عليهم خطبة الدجل السياسي ! فمك الممزق أصبح أكثر مرونة ليلوك أحرف التعفن السياسي ! تطمح إلى أن تعبد الطريق لجيوبهم ! سرعان ما تشعر باستيقاظ الطفل الواعي في دواخلهم ! تتسلل من بينهم ، تطلق ساقيك للريح ، يبتلعك مقعد جلدي وثير ، تدوس بقوة على البنزين ،تترك وراءك غيمة ترابية ضخمة أشبه بالعاصفة الرملية ، تندهش حشود الناس ، تتبادل نظرات الحيرة !
أمسح حبيبات عرقي ساخرا :
-دنيا عوجة سايقها جربوع ! أمك أخرجتك من المدرسة ! فسرقت أرزاق الناس باسم السياسة ! وطوماس أديسون لفظته المدرسة فتلقفته أمه فانار البشرية جمعاء ! يا للمفارقة !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
لعب صبيان
التالي
هلوسات مريبة

اترك تعليقاً

*