القصة القصيرة

انشطارٌ

صدّقوني، هل علمتم عليّ كذبًا؟ إنّه سرّ أحمله لوحدي. تعبتُ…حاولوا أن تصغوا لما أقول، انقلوه لأبنائكم بأمانة، علّهم يجدوا تفسيرا لسرّي. منذ عقد من الزمن ، ذات مساء، وجدتُ فرسًا أمام بابي، تلمسته، وجدتُ منه طاعة كأنّي صاحبه، هالني جمال ملامحه، كان صغير الرأس، ناعم الملمس ، قليل الوبر، انحدرتْ خصلات شعره على ناصيته لتحمي جمال عينيه ، من لهيب الهاجرة ، ورمال الصّحراء، أذناه المنتصبتان مع صغرهما زادته وقارا. قويّ المتن، قصير ، عريض. قويّ عضلات القوائم، صغير الحافر.
عليه سرج أتقن صانعه رسمه، وزينته، فاكتمل بحزام ، وجديلة ، وحياصة، وركاب…قلت في نفسي: هذا فرس غريب، كأنّ القدر ساقه إلىّ، لأحميه، و أعلفه، وأسقيه، حتى يظهر له صاحبا. في الصّباح، قلت: لأمتطيه، فأنا في هذه العمر لم أذق لذّة الرّكوب على صهوة الفرس. وضعتُ رجلي في الرّكاب، وجدتني على متنه كأنّني اعتدتُ ركوبه منذ الصّبا . لكن…يا للغرابة، كلّ شيء حولي تغيّر و تلاشى، كلّ شيء… أين تلك البنيات التي تحرمنا نور الشمس؟ أين أعمدة النور المصطفة بانتظام؟ تعلّمنا قانون الطابور، أين السيّارات، والحافلات، و كلّ وسائل النّقل الحديثة؟ أين ذلك الشرطيّ في مفترق الطّرق، حين يأخذ بخفة يد الساحر وريقة نقدية من يد سائق، ويشير له بيده الأخرى، أنت بأمان من مخالب دفتر الخطايا؟ أين…أين…
الزمان غير الزمان، والمكان غير المكان. هنا كانت مدينة: قصور ، وملاهي، ومحلّات للأغنياء…هنا على الرصيف أعين تراقب لقمة للعيش فرّت من مخالب المتخمين، يتسابقون…يتزاحمون…يتشاجرون…لم يعد هنا إلاّ أشجار الزيتون حبلى بزيت سيملأ كل الجرار، و السماء بلا دخّان يخنقها، تحمل على ظهر غيمتها ماء الحياة. كم جميل أنت أيّها المرج المطرّز بكل ألوان الزّهور. أوقفتُ فرسي و نزلتُ، صفّر الشرطيّ في وجهي، صرخ: أيّها الجاهل اخرج من الطريق، أتريد أن تموت؟ لقد عطلت السير، عويل السيّارات لم يتوقف ، شعرتُ بصداع في رأسي، و حرقة في حلقي من أدخنة المنبعثة من كل مكان. امتطيت حصاني بسرعة، عدت لعالم الطبيعة والصفاء.
قابلني سور المدينة يحمي ما حوى إذا خاف النوائب ، وفي الأمان يشرّع أبوابه لكلّ ضيف. دخلتُ ، سرتُ في الأزقّة والشّوارع، وجوه الناس زيّنها الرضا، وازدادت جمالا بابتسامات المحبّة . قلتُ: أيّ زمن تراني فيه؟ الكلام عربي، و الوجوه عربية، والأمان ، والسلام، والرضا…كلّ هذا هل تراه في الأصل كان عربيا !! في المدينة لم أر صورا لأمير، لم أسمع خبر عاجل لانفجار ، لانتحار ، لاغتيال…لم أر حقدا خبأته العيون لاختلافات المذاهب…في المدينة لم أر بطنا طواها الطُوى، و أيادي ارتعشتْ من ذلّ مسكنة السؤال…في المدينة كلّ السّيوف بالمحبّة في غمدها سكنتْ، تذكرت عالمنا كيف شرّع بالكره كلّ أصناف القتال.
في زحمة السوق وقف شاعرا يُلقي قصيدا ، ترك الناس ما بأيديهم ، شنّفوا الآذان لعذب الكلام. تذكّرتُ بسطة الكتب المرميّة على قارعة الطّريق ، حوتْ دواوينًا لشعراء العرب، تتخطاها الأرجل، و العقل في ملكوت جهله قد محا كلّ أشكال الكتابة. ترجلتُ لأسمع ما يقول شاعرهم. تزاحم الناس حولي ، كادوا يفترشونني تحت أرجلهم و هم يتسابقون للركوب في الحافلة، بالكاد التقطت أنفاسي، أعاد لي وعي بالمكان ذالك الشاب وهو ينادي على بضاعته المستوردة بكلّ أصناف السجائر.
بحثت عن فرسي ليخرجني من هذا العالم المجنون، ركضتُ… صرختُ…أين أنت يا فرسي؟؟… أين أنت يا فرسي؟؟… أين أنت يا فرسي؟؟…و إذا بيدين غليظتين تمسكاني بقوة، ترمياني في جوف سيّارة بيضاء كبيرة، و إذا الواحد منهم يقول لصاحبه: إلى متى نتحمّل هذا المعتوه؟ أليس له أهل يعالجونه؟.

السابق
حفل تكريم
التالي
ذات أصيل

اترك تعليقاً

*