قراءات

بالعُتمة والحواسّ تتشكّل مشهديّة السّرد في نص “خيانة”

للكاتب الزيتوني هلالي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

ينبني نصّ “خيانة” على الغموض والتّكثيف انطلاقا من العنونة حتّى ما قبل الجملة الأخيرة فيه..
هو تعتيم يُحدث التّشويق في القصّ شدّا لانتباه القارئ وحرصا على التّركيز الشّديد أثناء القراءة توقا إلى استجلاء المعاني المتزاحمة في النّصّ سطحا وعمقا.
ذلك أنّ الغموض قد شمل ركائز السّرد في النّصّ:

الشّخصيّات:
لا أسماء تحمل ولا هويّات إذ نجد فقط ما يلي:
_ هو، ضمير الغائب إليه أسند الرّاوي كلّ الأفعال تقريبا وعليه سلّط كامرا الوصف.
_ سيّدة في عقدها الثالت أو أكثر بقليل وقد أضفت ابتسامة على وجهها لمسة فنية، تحضر فقط عبر صورة لها، فلا أحداث أسندها إليها الرّاوي ولا علاقات رسم بينها وبين بقيّة الشّخصيّات.
_ طفلة انسدل الشّعر على نصف وجهها، فبدت بلابسها الأبيض كملاك صغير، تحضر عبر ذات الصّورة التي تجمعها بالسّيّدة الثّلاثينيّة.
_ الطفلة في الصورة: تخرج من مجرّد الحضور في الصّورة إلى شخصيّة يسند إليها الرّاوي فعل الارتماء في حضن شخصيته الرّئيسيّة لتحظى بعناق ومداعبة وتمتمات..
_الطّبيب، وقد حضر غيابا (مخاطبه)، وحضورا (الدكتور)، جعله الرّاوي مطيّة لكشف العتمة التي سكنت الحكاية عبر إسناد الأفعال إليه في قوله:” أخرج الدكتور كومة من الأوراق ووضعها أمامه بشكل منظّم ،،بدى محرجا وهو يخبره أن التحاليل الأخيرة أيضا أثبت بما لا يقبل الشك أنه عقيم ولا يمكن أن تكون له خلفة”، فيتداعى كثيب الغموض السّرديّ بتدحرج هذه الحبّة منه ويتّضح لنا جوهر العنونة وتُرفع كلّ الحُجب عن الأحداث والشّخصيّات..

الزّمان: مطلق غيرمحدّد
المكان: مكتب (غرفة)/ العيادة: مكانان لا سمة تميّزهما عن مثيلاتهما من الأمكنة ولا صفات تضيئهما للقارئ.
ولئن بات التّعتيم آليّة القصّ الحديث، استنادا إلى أنّ قارئ اليوم بات شريكا في بناء النّصّ وبالتّالي فإنّ تمكينه من خبايا الحكاية أضحى يُعدّ تغييبا لوظيفته في دورة القصّ، قصيرا جدّا أو قصيرا، واستهانة بقدراته الأدبيّة، فإنّه في هذا النّصّ-أي التّعتيم- قد تميّز بخصوصيّة آليّاته تلك التي أشرتُ إليها آنفا، في دحرجة للسّرد نحو ذُرى كشف مُبطَنات التّكثيف وتجلّي زوايا العتمة والغموض فيه.
إنّه السّرد المخصوص المجاري للحركة النّفسيّة للشّخصيّة الرّئيسيّة، هذه الشّخصيّة التي تسكنها الحيرة، المبعثرة في متاهة التّشظّي بين الواقع والحقيقة، المتعثّرة في دجى الكشف العلميّ.. مجاراة السّرد لتلك الحركة النّفسيّة تجعله يعانق العتمة والغموض حتّى الأسطر الأخيرة ثمّ تنفتح فيه بوّبات الضّياء بانفتاح نفسيّة الشّخصيّة على الجدائل الأولى للاستقرار النّفسيّ إذ يظفر بقرار رفض الحقيقة العلميّة والتّمسّك بالواقع الكائن وجودا سائدا فيه تمضي خطاه دون سواه وراوي الحكاية يقول:” استبق الباب،وقبل المغادرة التفت الى الطبيب وابتسامة عريضة في فمه وقال بصوت حادّ:
تبّا لجميع علوم الأرض! إنها ابنتي”.
هكذا، انتقى الكاتب الغموض والعتمة السّرديّة آليّة لرسم مشهديّة الحكاية تصعّدا نحو التّجلّي والضّياء.
ولم يكتف الكاتب بهذه الآليّة بل عضدها بتوظيف الحواسّ. حيث نجد في هذا النّصّ “خيانة” تركيزا على إبراز حاسّة السّمع والبصر واللّمس مع تنامي الحكاية وذلك كما يلي:

حاسّة السّمع:
_ رنّ الهاتف
_ نقراته بالقلم فوق سطح المكتب الزجاجي ظلت تملأ الفضاء الهادئ
_ عاد الصمت
_ نقر خفيف على باب المكتب
_ وقال بصوت حادّ

حاسّة البصر:
_ أمعن النظر في الصورة طويلا
_ وظل يحملق في الفتاة لمدة أطول..
_ دون أن ينظر الى وجهها،
_ دون أن ينظر الى حيث تقع

حاسّة اللّمس:
_ داعبت أصابعه المرتعشة قلم رصاص يكتب
_ مرّر أصابعه فوقها مرات متكررة
_ وعبث برفق في شعرها
ولعلّي إذ أستقرئ هذا الحضور البارز للحواسّ في هذا النّصّ، على قصره، أجدني أمام توظيف سرديّ مقصديّ له- أي حضور الحواسّ-. فالرّاوي وهو يختم حكايته برفض الشّخصيّة لنتائج التّحاليل الطّبّيّة قائلا ب”صوت حادّ”: [تبّا لجميع علوم الأرض !إنها ابنتي] يكشف عن رفض للمجرّد وتعلّق بالمحسوس في تشبّث بمذاق المألوف، بعذوبة الأبوّة وإن كانت موهومة، لينفتح بذلك العنوان على أكثر من معنى متجاوزا معناه الظّاهر- أي الخيانة الزّوجيّة- إلى خيانة للوجود المفكّر، وخيانة للحقيقة العلميّة الفيزيولوجيّة، وخيانة للدّيدن الإنسانيّ المجبول على توق إلى إدراك الحقيقة تمجيدا لها واحتفاء بالوجود المفكّر..
هذا نصّ بذخ عميق.. لا نضبت القريحة.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
قراءة نقدية في نص “الدَّرْبُ الوَعِر”
التالي
قراءة نقدية في نص “خيانة”

اترك تعليقاً

*