القصة القصيرة جدا

بديع الزمان

فى ظهيرة يوم قائظ .. كان يتبع خطى والده فى {مشاويره المكوكية} بشوارع القاهرة كالمعتاد , والتى تنتهى دائمًا بميدان {الأوبرا} تورمت قدماه من كثرة الطواف خلفه وهو يدفع عربة يد بعجلات خشبية .
عندها جذب طرف (البالطو) الكاكى المملوء {بالرقع} راجيًا إياه قسطًا من الراحة تحت ظل الشجرة العتيقة القريبة من السور الشهير ذائع الصيت .
ولأن والده كان يعده لتولى المهام الشاقة من بعده .
عنفه بشدة قائلاً :
الرجال لا تشتكى .
والحياة لا ترحم !
اضمرها فى نفسه , وتجلد .
قاوم عجزه الدفين , وكل ما ينفذ إليه من أوساخ الطريق من خلال حذائه {الكاوتش} المملوء بالثقوب .
ــ اليوم ساقه الالتزام المرورى بالسير الإجبارى لنفس النقطة .
فجأة ..
اكتشف مرور نصف قرن من الزمن على وفاة والده .. بينما الشجرة العتيقة مازالت واقفة على عروشها فى مكانها تنشر ظلها لكل العابرين , غير أن السور الشهير انزوى فى طى النسيان !
وقف بسيارته الفارهة تحت ظل الشجرة العتيقة . قرأ الفاتحة لوالده .
ــ ببطء شديد سحب من (التابلوه) كتابًا اصفرت أوراقه من عوامل التعرية .. قربّه من العضو الضخاخ .. طالع العنوان بعين الفاحص المتمرس .
[مقامات بديع الزمان الهمذانى] تبسم ابتسامة الرضا , ثم أسكنه مكانه بهدوء أشد .
غير أنه لم يخطر بباله قط اسم {المرشد} الذى يماثل اسم والده تاجر الكتب القديمة .

السابق
مضى ولم يلتفت ..
التالي
عنتر بن شداد

اترك تعليقاً

*