القصة القصيرة

بشری

الهاتف يرن, وقبل أن ينهي المنشد جملته الأولى, أتناوله من جيبي وأرد على الاتصال
– نعم
– أبشرك, أخوك الآن معي في السيارة
يا الله, كم أنا سعيد بهذا النبأ! أكاد لا أصدّق ما أسمعه, حتى أنني أتصرف بمعزل عن الكياسة وأسال الرجل إن كان متأكدا من قوله, فيقسم على صدق قوله, وألّح عليه
– إذن اعطه الهاتف كي أكلمه
– واللهي هو الآن في خلفية السيارة برفقة سجناء آخرين, لا تستعجل يا رجل, نصف ساعة وسيكون عندك بإذن الله.
أعذر الرجل و أركض إلى غرفة الجلوس فتضطرب العائلة, وتزغرد أمي إذ أبشرهم بخروج السجين, أفكر بما يختصر هذه النصف ساعة, أسأل عن مفتاح السيارة كي أستقبله قبل وصوله, فتذكرني ابنتي بأن الدولة قد صادرتها قبل أيام, فأجعلها فداء لصاحبها ما دام أنهم أفرجوا عنه, من كان يصدق بأنهم سيخرجونه؟ ليس أحد سوى ابنه ذو السبع سنين.
كيف أقضي الوقت قبل وصوله ؟
أعاود الاتصال بالرجل فيكون خارج التغطية, أخرج مسرعا لأبشر زوجة السجين عند أهلها, فأنتبه عند منتصف الطريق أنني أسير حافي القدمين, أواصل السير وأبشر من أمرّ بهم فيحمدون الله ويباركون لي, أود أن أطرق كل باب بيت على جانبي الطريق وأبشر أهله بخروج أخي من الموت, أود أن أبشر العالم أجمع بهذا الخبر السعيد, أخي الذي اعتقدت بأنه أعدم بسبب ارتكابه خطأ بسيطا اتضح الآن أنه حي, وسيصل بيته بعد قليل, لماذا يئست والعفو ممكن على من لم يتعمد الخطأ؟! ليس سوى شرطي تاب إلى الله رغم أنه لم يسجل التوبة بشكل أصولي, فلماذا أستبعد أن تعفو الدولة عنه؟
ترافقني زوجته بعيون دامعة ويلحقها أهلها كلهم إلى بيتنا, أعاود الاتصال بالرجل فيقول بأنهم على بعد ربع ساعة من القرية, أصل البيت وأشهر البندقية وأرمي مخزنا كاملا في الهواء, فيجتمع أهل القرية, أقود من الحوش الخلفي ثورا وأشير إلى قصاب القرية أن انحره, وأصيح بأهل القرية أن غداءكم عندي.
أنوي الاتصال مرة اخرى فأتراجع إذ شعرت بأنني الححت على الرجل كثيرا, وقد يغضب في أية لحظة ويحصل ما لا أتمناه, عرفته مكفهر الوجه لا يسلّم على الناس وبالكاد يرد عليهم تحيتهم, حتى أنني توسطت وتشفعت بكل من له يد عند الدولة ما خلا هذا الرجل, سبحان الله! الفرج يأتي على يد رجل لم أتوقع منه خيرا أبدا, لا يستحي من أهل قريته ولا يجامل أحدا, صريح إلى حد الوقاحة, يدور على بيوت ذوي المعدومين يخبرهم بمصير أبنائهم…
ها هم قد وصلوا, زغردت أمي, شخصت أبصار الناس إلى السيارة, وسار أقاربي إليها فيما هرولت أنا, سبقني ابن السجين إذ طفق ركضا, فأوقفه الرجل وانتظر وصولي, رأيته كما لم أره من قبل, متهللا تزين وجهه ابتسامة عريضة, يقودني من يدي إلى خلفية السيارة حيث أخي ومن معه, يقول لي: أعد هذا الطفل إلى البيت, هو لا يزال مسلما على الفطرة, ولا أريده أن يرى أباه بلا رأس.

السابق
كهف
التالي
النسيج اللغوي في القصة القصيرة جدا، نص “قابيلان” أنموذجا

اترك تعليقاً

*