القصة القصيرة

بغداد

تقلبني أوجاع الشوارع فوق سرير التعب، أحاول الولوج في ممرات الذكرى، هناك عند اللاشعور اغفو في حضنها؛ قلبها المتلهف يضمني بين ذراعيه يحاول لملمة كياني المشظى، الإحساس بالدفء يزيد من عطشي إلى حنانها المتوهج، حتى يتصاعد الشخير المدوي من أنفاسي..
الياسمين يعزف موسيقى الفجر الهادئ، فأصحو على نور شمسي في صباح يوم جديد يبعث عن أمل متجدد رغم قسوة الحياة.
نهضت من فراشي حسب العادة، وأنا أنظر إلى وجهها المشرق.. ما تزال تغط بنومها العميق، قررت أن اتركها في أحضان الأحلام تنعم قليلا قبل أن ترى مفاجئتي، بعد دقائق رجعت إليها، بأصابعي دغدغت خديها الورديتين، فتحت عينيها مع إشراقة ابتسامتها، لم تتوان بعناق لطيف مع إمضاءه بطعم العسل وضعتها فوق شفاه القدر، عندما شاهدت المائدة جاهزة؛ أخذها الفرح على أجنحة الحب، تكرر كلمات العشق التي تنعش فؤادي، ما زال الطعام يستمد من حلاوته مذاقه الرائع.
أيامنا الرتيبة لا تأتي بالجديد، دراجتي النارية (الستوتة) تطوي الزمن يوميا في رحلتها إلى السوق، أمست رفيقتي الثانية في حياتي العملية، سوق يوم الجمعة يختلف عن بقية أيام الأسبوع فهو يعج بالناس، أقف خلف بضاعتي المزجاة أتأمل الوجوه، أرى فيها أوجاع الزمن القاسي، أنفاس لاهثة تبحث عن راحة مفقودة في زمن المسخ المشوه.
صوت أبي أحمد الجهوري وهو يصيح: (طماطة.. خيار.. أسود.. بألف دينار) أعادني إلى الصخب؛ أطلقت العنان لحنجرتي تصدح بما جاد به جاري، ضحكت في سري ومع صرختي الثانية دوى صوت الانفجار مسامعي وأصم أذني، خلال لحظات مجنونة لم أر فيها سوى الدخان الأسود وجسداً تكوم بين الخضروات والفواكه، وقفت بسرعة اتفقد جسدي.. حمدت الله وأسرعت إلى مكان التفجير محاولاً أنقاذ الجرحى، بين الحطام والأجساد المقطعة تعثرت بجسد وسقطت.. لكن تفاديت زيادة وجعه وجراحه برمي جسدي بالقرب منه، سمعته يئن، ما زال يتنفس..
كان غلاماً بعمر الزهور، حملته وركضت به إلى سيارات تدخل مالكوها للمساعدة، وضعته في المقعد الخلفي وأسرعت عائداً للمكان مرة أخرى، في منتصف الطريق وأنا أركض شاهدت جسداً يتفجر بين جمهور المنقذين، أستحال المكان إلى كارثة ثانية.
غصت في عالم اللاوعي، تشبثت بضوء للخروج من العتمة بين الركام، أسرعت للمساعدة من جديد، حاولت انتشال شخص يغوص في دمائه، لم أستطع، صرخت بصوت عال؛ ساعدوني.. لم يسمعني أحد.
كانت الأصوات تنتشر متكسرة كالهشيم في أجواء مخيفة إلى حد الرعب، رابني هؤلاء الذين يطوفون كأنهم أشباح بيض تعلو وجوههم النظرة والبشرى، قذفتهم في سري ولعنت الشامتين، ذلك الجريح حمله ثلاثة رجال وأسرعوا به إلى سيارة الإسعاف، قررت مرافقته إلى المشفى، فركبت معه.
عالم لا ينتهي بحدود، المشفى تعج بالصراخ والعويل، تلك المرأة تنوح فوق جسد ابنها المقطع، وهذا الشاب يبكي فوق رأس أبيه المحترق، على مسافة خطوات تجمع عدد من الأطباء حول شخص، أسرعت إليه لعلي أعرفه، أحدهم يمسك جهاز الصدمة الكهربائية للقلب علّه يسعفه، اقتربت منه اكثر؛ رأيت نفسي!!.. وسمعت الطبيب يصرخ؛ عاد نبضه.
صورة ‏فلاح العيساوي‏.

السابق
الحَصَر
التالي
ملتقى وأوجاع

اترك تعليقاً

*