قراءات

بناء الرأي العام في نص “توأم الذاكرة”

بقلم الكاتبة هتنادي بلبل

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

إن لهنادي بلبل أسلوبا خاصا في كتاباتها القصصية، وأنها لموهوبة بالفطرة كمؤلفة، نصوصها احترافية، بمعنى أنك أمام نص لكاتب متكامل موثوق في أدواته، كما موعدنا مع نص من نصوصها الثرية “توأم الذاكرة” الذي تكتبه بلا تحديد هوية مسبقة، قلمها يوقظها لتكتب، يحركها الموضوع الفاعل بداخلها، تنثره على الورق كمنسقة زهور محترفة، لا يعنيها حرفية جنس النص بقدر ما يعنيها موضوع النص وطريقة عرضه، هو مجهز في داخلها كقالب فني بذاته..
اليوم تكتب نصا يحدثنا عن تأمل الذات لنفسها بعد رحلة من العمر شرفت على النهاية، نوع فلسفي لمحاسبة الذات وإخفاقها في محطات كثيرة، ثم نكتشف أننا مسيرين في أغلب أمورنا في الحياة، وأننا قد نتشابه مع غيرنا في آخر خط العمر، وإن اختلفنا معهم وأنكرنا عليهم أفعالهم في رحلة العمر، كما أقرّت مناهج علم النفس الإكلينيكي بذلك، أننا قد نتشابه مع أبائنا في نهاية رحلة العمر مهما كانت درجة اختلافنا لهم وشدة إنتقادنا لهم..
وهنا هي تصور في تكنيك جيد للبطل في رحلة استعراض نفسه ومحاسبتها في نهاية مشوار حياته، بتوأم له، التوأم غير موجود أصلا، وهذه براعة التكنيك، وتمكن الكاتب من أدواته ـ كما قلنا سابقا كيف تؤلف نصك قبل الكتابة؟ ـ وترسمه وتسقطه على الورق بعد التجهيز، فصورت تصويرا جيدا لتوأم رقيب على البطل شاهدا على رحلته، وإن كان حقيقيا، ولكنه غير حقيقي، لأن أدوات النص التي وضعتها هنادي في بؤرتها التركيزية لم تسلط الضوء عليه كفاعل حقيقي، هو كما المرآة التي ينظر فيها البطل على شكله بعد كل فعل وحدث، يرى نفسه فيها، سعيدا فرحا، هلعا صارخا، مكتئبا محطما، هكذا، هي حركة تكنيكية بديعة من المؤلفة لمشاهدة البطل في استعراض رحلة حياته مع نفسه ومحاسبة ذاته لتعطي للنص جوا من الجذب، وتمسك بتلابيب المتلقي حتى آخر كلمة في النص، ليعيد ما قرأ ويصبه في قالب تأويلي خاص به في مخيلة فكره ليخرج بنتيجة من النص، ونرى المتلقي يخرج بنفس النتيجة التي عنيت بها الكاتبة.. هي رجل يستعرض حياته في آخر مشواره في نوع من حساب الذات وقسوتها على نفسها.. في النص استطاعت هنادي أن تخرجني منه وأنا في يقيني أن البطل غير راض عن مشوار حياته، كأنه يجلد ذاته على كل إخفقاته الماضية التي آلت به إلى نهاية مريضة معلولة مشلولة، وهي حكمتها ومقصدها في هذا النص، لتدق ناقوس ككاتب يحمل رسالة لمجتمعه.. تأمل أفعالك.. (خد بالك من تصرفاتك واختياراتك)..
وكانت تعي دورها ـ الجزء من رسول ـ كانت معلما سلسا، رقيقا، مهذبا في توجيه المتلقي وتعليمه بطريقتها الجاذبة..
تحية للكاتبة هنادي بلبل على نص من نصوصها التي تمتعنا، وهي رسالة للكل.. كاتب في تكنيكه وأدواته، ومتلقي في نهله وتبصره في حياته، وتوعيته وحثه على بناء سليم قويم..
إذ أن من ضمن رسالات الكاتب على مجتمعه “بنــاء رأي عام”.

السابق
قراءة نقدية في نص “توأم الذاكرة”
التالي
وفاء

اترك تعليقاً

*