القصة القصيرة

بنت البلد

التقيا في بلادِ الغربةِ مصادفةً في أحدِ المطاعمِ ذي الخدمةِ الذاتيَّة. مطعمٌ مطلٌّ على نهرٍ يشجُّ المدينةَ إلى نصفين مرتبطين بجسورٍ مميزَّةٍ في تصاميمها وروعةِ جمالها وسهولةِ الحركةِ عليها.
شاءت الأقدارُ أن يجلسا قُبالةَ بعضهما، وأن يتقاسَما طاولةَ طعامٍ واحدةٍ بعد أن تبادلا العبارات المعهودةَ كأيِّ جليسين غريبين لا يعرفانِ بعضَهما وبدأا يأكلان وهما صامتان طوالَ الوقت.
وبينَ الفَينةِ والأخرى كانت تلمحهُ يرمقها بنظراتٍ لم تستطع قراءةَ معانيها. لكنَّها كانت تمنّي نفسَها بحلمٍ أنثويٍ قد راوَدَها. فضحكت في سرِّها وتابعت التلذُذَ بمذاقِ طعامِها الشَّهي.
أمّا هو فكان يحاولُ أن يقرأ ملامحها وأن يتعرَّفَ على أسرارِ خجلِها المكنونِ تحت ظلالِ خدّيها فتاهَ عن أطباقِ طعامهِ. ولم يستطع حلَّ اللغزِ الذي شدَّه إليها.
ما إن انتهت من تناولِ طعامها حتى تناولت كوباً من الماءِ لتروي ظمَأَهَا. وحينَ لامست حواّفَ الكوبِ شِفتاها تحرَّرت نظراتُها من عُقالِها فرأتهُ ينظرُ إليها بحرصٍ شديدٍ واهتمامٍ بالغٍ فأسرعت في عبِّ الماءِ وإعادة الكوبَ إلى مكانه. وهمَّت تلملمُ أطرافَها استعداداً للرّحيل لكنَّه فاجأها حينَ كلَّمها بلغةٍ تجيدُها منذُ نعومة أظفارها:
إنَّ حدسي يدُلّني على أنَّكِ من بلدي. أفهمتِ ما قلته لكِ؟

– نعم فهمتُك وكيفَ لا وأنتَ تكلّمُني بلغةِ الآباء والأجداد؟
– أتسمحينَ لي بدعوتكِ لنشربَ القهوةَ معاً لأنَّني شغوفٌ بعطرِ رياحين بلدي.
– ليسَ لدَّي مانعٌ؛ لأنَّني أنا أيضاً مشتاقةٌ لسماعِ نغمٍ من ألحانِ بلادي.
– إذن ما رأيكِ أن نذهبَ إلى مكانٍ هادئ ٍأعرفه جيِّداً وقريب من هنا.
– حسناً تفضَّل.
توجَّها إلى حديقةٍ قريبةٍ، أرضُها معُشْوشِبَةٌ ونباتها ناضرٌ شديدُ الخضرةِ، واختارا مكاناً وارفَ الأشجارِ، يمتازُ بهدوئِهِ وكَثرةِ ظلالهِ، وجلسا بالقربِ من بحيرةِ ماءٍ تتوسَّطُ الحديقة.
استقرَّا في المكانِ وتحرَّرا من محاكاةِ نفسيهِما وترتيبِ أفكارِهِما، وما إن حلَّ الصمتُ بينهما حتى غابَ توتُرهما وومضت نظراتُهما أملاً .
حينها تحسّسَ ابنُ البلدِ مكانَهُ ومالَ جانباً في جلستِه وسألها:
– ما اسمكِ؟
– ليسَ لأسمائِنا أهميَّة. لأنّ بلدَنا هو اسمنا ولقبنا.
– صدقتِ وأجدتِ في كسرِ جدارِ الغربة.
– ماذا تفعلُ هنا؟
– أعملُ في إحدى الشركاتِ التخصصيَّةِ وأتابعُ دراساتي العليا، وأنتِ ما سببُ وجودكِ هنا؟
– جئتُ لنيلِ شهادةِ الدكتوراه في مجالِ تخصصي.
– في أيةِ مدينةٍ من مدائنِ وطني ترعرعت؟
– لماذا تسألُ عنها؟
– لأتعرّف أكثر على سماتِ بنتٍ من بناتِ بلدي. لذا من أيةِ مدينةٍ أنت؟
– أنا من مدينةٍ إن زرتَها لا تدركُ جمالَها إلاَّ إذا تعايشتَ معها وارتميتَ في أحضانِها، وتنقلتَ على حَوّافِ مداراتِها وتراقصتَ مع ظلالِها، وإن غرقتَ في مفاتنِ معالِمِها رأيت جبينَها متوَّجاً منذُ أقدمِ العصورِ، وإن تصفّحتَ دواوينَ تاريخها تجد قلعتَها الصامدةَ منذُ مئاتِ السنين، وهي مطلّةٌ على أسواقٍ ودورٍ قديمةٍ متجدِّدةٍ على الدوام. مدينة أمينةٍ على أزقَتِها المرصوفةِ بأحجارٍ هاربةٍ من بين أناملِ صانعيها. مدينةٌ إن عانقتَها وتفيَّأْتَ بظلالِ أفنانِها تجدها صامتةً لا تكلِّمُك بل تُسمِعُكَ ألحانَ أجدادها العظماءِ وقصائدَ أمجادِ شعرائها الكبارِ. فهي مدينةٌ لا تنامُ أبداً. جامعةٌ لكلِّ ملاحمِ المجدِ والبطولةِ وأنواعِ الفنونِ التي هي من نتاجِ أناملِ أبنائِها، وحذقِ تجارِها، وصدقِ غنائِها ذي الطربِ الشرقيِّ الأصيل.
تبسّم وقال لها: إذن أنتِ من مدينةِ حلبَ الشهباء.
– نعم صدقت. وأنتَ من أية مدينةٍ تكون؟
– أنا من مدينةٍ هي كبرى أخواتها وأعرقهنَّ، إنها مدينةٌ مباركةٌ ولدت مع ولادةِ التاريخ، معطرةٌ بأريجِ الياسمين. مدينةٌ يعجزُ الإنسانُ الزائرُ إليها عن أن يصفَها ويكتشفَ سرَّ جمالِها ولغزَ عشقِها.
فضحكت وقاطعتهُ قائلة:
كفى. أنتَ من مدينةِ دمشقَ الفيحاء.
وهكذا سرقهُما الوقتُ ومضيا ليتعارفا ويتواعدا على اللقاءِ ثانيةً.
مع مضي السنين تعارفَا أكثر .. وتصادقَا .. تعاونَا على كسرِ حواجزِ الغربةِ وصعابِها .. وتحابا ورَامَا إلى هدفِهِما .. وتخرَّجا وعادا إلى الوطنِ إلى الأهلِ. حاملين معهما كلَّ آمالِهِما وأمانيهِما في بناءِ أسرةٍ تجمَعُهما.
لكنَّهما تفاجأَ أنَّ ترابَ الوطنِ عاجزٌ عن جمعهما. وأنَّ الهويةَ الوطنيةَ غير كافيةٍ لتوحيدهما. فقرَّرا أن يعودا إلى بلادِ الغربةِ مجدداً ليتوحدا مع روحِ الخالقِ الذي جمعهما على الحبِّ والودادِ. فباركَهُما وكوَّنا أسرةً سعيدةً وأنجبا أولاداً صالحين.
وذاتَ يومٍ قال لها:
– يا بنّتَ عَمِّي. أولادنا قد شبّوا وكبِروا وأوراقُ خريفِ العمرِ قد بدأت تتمايلُ للسقوط.
– ماذا تقصد بقولِكَ هذا ؟
– أنا قلقٌ على مستقبلِ أولادِنا.
– لماذا القلقُ والهمُ على مستقبلهم فأوضاعهم جيّدةٌ وفي تحسّن مستمر.
– لأنَّنا أورثناهم الغربةَ ولم نستطع أن نورثهم وطن.
– كن متفائلاً ولا تخف عليهم لأنَّنا أورثنَاهُم الحبَّ يا عزيزي فهم سيجدونه حقاً.
فجأةً يُقرعُ جرسُ باب الدارِ فتهرعُ الأمُ لفتحِهِ. فإذا بأولادها يُطلّونَ عليها بباقةٍ من الوردِ الأحمرِ الجوريِّ وقالب حلوى مكتوب عليه كلَ عامٍ وأنتُما بخيرٍ.
طوى شهرُ شباطَ نصفه الراحل وبدأ نورُ الفجرِ يتمددُ على وجهِ الكونِ. أُطفئتْ أنوارُ الدارِ وغفا الجميع على أنسامٍ لطيفةٍ قادمةٍ من الشرقِ الحبيب.

السابق
كابوس
التالي
من مذكرات فتاة عانس

اترك تعليقاً

*