القصة القصيرة

بهارات .. حريفة

كان الرجل قد دخل فى إطار العقد السادس من عمره المديد ..
يومها قرر أن يعيش ما تبقى له من أيام كما كان يحلم منذ ما يقرب من أربعين عاماً ..
يوم جند بالقوات المسلحة .. و انضم لسلاح (المركبات) ..
الرجل كان يجيد القرأة و الكتابة ، و كان بنيانه الجسدى ضخمًا ، بالرغم من عدم حصوله على شهادات ….
عضلاته مفتولة و عظام صدره متينة و ذراعاه تكاد تطاول السحب فى كبد السماء ، و لكنه كان سهل الانقياد .
أدى الرجل الخدمة العسكرية (مرتين ) ..
الأولى كانت فترة التجنيد الإلزامية التى انتهت قبل {النكسة} بشهور .
و الثانية كانت فترة احتياطية فى منتصف عام 1970 م ، و حتى بعد انتصار اكتوبر ، و اكتمال المرحلة الأولى من الانسحاب للقوات الإسرائيلية بعد مفاوضات الكيلو 101 خرج الرجل مرفوع الرأس .
فى مدة خدمته العسكرية الإلزامية تزوج الرجل من بنت خالته زواجًا تقليديًا كسائر أبناء قريته …
قبل أن ينهى مدة خدمته الأولى كان الرجل قد رزق ببنتين سماهما ( فريال و أمال ) …
و عندما استدعى للاحتياط (المرة الثانية) رزقه الله ببنتين أخريين سماهما (عهد و غيداء) و أصبح يطلق عليه فى الناحية كلها }أبو البنات{ ..
كان سعيدًا بهذه الكنية و دائماً ما كان يقول لمحدثيه :
ــ أبو البنات يضمن دخول الجنة .. إن أحسن تربيتهم ….
بعد خروج الرجل مرفوع الرأس من القوات المسلحة .. كان يحمل رخصة قيادة درجة أولى ..
لم يعد من بعدها لسيرته الأولى ليفلح القراريط المحدودة مع أبيه .. ترك هذه المهمة لأخوه الاصغر …
تقدم بأوراقه للعمل بشركة نقل البضائع (شقطته) الشركة من بين كل المتقدمين للعمل عندها ..
و لما لا ؟؟
و هو أول من عبر بمدرعته (ناقلة الجنود) يوم السادس من أكتوبر بعدما شدّ رجال المهندسين الكبارى العائمة على صفحة مياه القناة …

كان وقتها صوت المؤذن يجلجل بأذان العشاء فوق مآذن القاهرة ، و صيحة الله أكبر تنطلق من أفواه الجنود تزلزل الرمال و الأحجار الصماء على الضفة الشرقية لقناة السويس ، تحيلها إلى قيثارة تردد معهم .. بكل عزم تم تطهير سيناء من براثن المحتل الغاصب ليصير من بعدها لحنًا فريدًا ….
تم اختيار الرجل للعمل بالشركة و روح أكتوبر طاغية و حاضرة فى قلبه و جسده الضخم .. فهى التى تحركه و تدفعه دفعًا إلى الأمام .
منذ التوقيع على قرار استلام العمل ، و تَسَلّمِهِ (التريلا) و السفريات تأخذ من عمره الكثير ، و تبعده عن بيته الوقت الأكبر …
لم يخطر بباله أن كثرة التنقل من ميناء لآخر سوف تضيف إلى عقله كل هذه الخبرات و الاشتياق إلى أهل بيته …
أيام معدودات يقضيها كل شهر فى قريته .. لم يتأفف أحد من أهل القرية فى الليالى التى كان يتواجد فيها الرجل ويركن فيها (التريلا) .. بالقرب من الكوبرى الرابط بين بيوت القرية و باقى المعمورة و كان عرض بر (الزراعية) لا يسمح بمرور حمار محمل بـ (هَيّة) برسيم أو حطب أو حتى (شليتة) تبن طالما (التريلا) واقفة ..

الكل كان يعمل حسابه فى ليلة الجمعة إلى فجر السبت من كل أسبوع و يمر من طريق آخر ..
كان الرجل محبوبًا من الجميع و لا يمكن لأحد أن يراجعه فى شىء .
ليالى باردة .. كل خميس و جمعة و الأعياد الرسمية تلك التى كان يقضيها الرجل بالقرية كالعادة ..
الملل يسيطر عليه …
كان الرجل يفرح بقدوم الإجازة ليفرغ فيها كل ما أدخره من مال و أشواق عند عتبة “شريفة” أم البنات ..
أبدًا ..
الملل كان يكتنفه و يتلف حواسه الإنسانية ، فلا يفرغ سوى ما فى جيوبه من مال عند حجر “شريفة” ليعود لنفس الدائرة ممنيأ نفسه بالإجازة القادمة …

سنوات و سنوات و هو يسير على الدرب .. لا يحيد و لا يتراجع عما تعلمه خلال سنوات الخدمة العسكرية .. انضباط ما بعده انضباط ، و “شريفة” تدير شئون الدار كما يحلو لها .. تهدم الدار القديمة وتعيد بنايتها بالكتل الأسمنتية والطوب الأحمر .. ترفعها طابقًا فوق طابقٍ فوق طابق .. في كل طابق شقتان .. ما عدا الدور الأول ، و الرجل لا يمانع و لا تجدى معارضته أو موافقته معها في شىء …

كل ما عليه تفريغ كل ما فى جعبته من مال بين يديها ..
يتقدم الخطاب لخطبة بناته .. يوافق الرجل كالعادة بعد موافقة الكل فموافقته (كمالة عدد) …

تتزوج البنات فيفرح الرجل و يحلم بوقت يسعد فيه بزوجته منفرداً بعد مغادرة بناته للدار …
ــ أبدًا ــ
يقيم أزواج البنات بالدار .. لا يمانع أو يعترض .
أيام و أصبحت الدار بطوابقها الثلاثة كسوق السبت.. يتجمع فيها الجميع فى صعيد واحد .. أهل البيت والنسايب و حتى الجيران .. الداخل أكثر من الخارج …

و لأن الرجل منضبط كساعة الجامعة أكمل أيامه على نفس الوتيرة .. يقود (التريلا) طوال أيام الأسبوع سعيدًا حيث لا يستطيع أحد التدخل فى سيرها غيره ، و يكفيه ما تصنعه زوجته هناك فى الدار كما تشاء ..
حتى بلغ الرجل سن الستين و أصبح عنده من الأحفاد ستة …
يوم خروجه للمعاش كان يمثل له يوم عيد .. فسوف يتخلص من المأموريات الطويلة ، و البعد عن الدار ، و ينعم بالكسل ، و الاقتراب من زوجته ، و يغنم منها بما لا تجود به أيام الارتحال الدائمة …
كل تفكيره كان منصبًا على شىء لم يكن يستطيع من قبل هذه اللحظة عرضه حتى على نفسه ، و لو لمجرد التلميح سراً :
ــ الآن .. و الآن فقط أستطيع أن أتحلل من حالة الانضباط و التذمت و لو قليلًا ، و أنعم بالدفء ما بقى لى من ساعات أخلو فيها بالراحة و حضن زوجتى …

***

جلس الرجل قرابة العام فى داره لم يبرحها قط .. ينام وقتما يريد ، و يصحو حينما يشاء .. بحث خلاله عن زوجته فلم يجدها .. كانت “شريفة” غارقة حتى ذقنها فى إصدار الأوامر لأزواج بناتها و أولادهم و الجيران …

فى ليلة كان سنا القمر يلف سطح الدار و يختص بضيائه وجه الرجل .. صعدت إليه “شريفة” بكوب من الشاى .. جلست بجواره لبعض الوقت .. تشجع الرجل فى هذه الجلسة القصيرة للتطلع في عينيها بقلب المحب .. لم يلمح أفاعيل الزمن فى وجهها .. دقق أكثر ..

كان خط المشيب يملأ فروة رأسها وكل أخاديد وجهها تخبره بما فعلته السنين ..
أزاح عن عقله هواجس الكبر ..
داعبها الرجل ببعض كلمات الغزل التى لم يقُلها منذ سنين شبابه ..
قبضت يدها إلى جيدها ثم قابلته بالاسطوانه المشروخة :
} خلاص انت بقيت جد .. إنت كبرت يا راجل خلاص بقى .. ميت مرة قلت لك ارحمنى من المراهقة بتاعتك دى .. لو عاوز تتجوز روح اتجوز .. بس سيبنى فى حالى }…

رنت كلمات “شريفة” فى صدر الرجل و ترددت بداخله صدى لم يستطع النوم من بعده ..
تسلل الأرق إلى فراشه ..
راجع ذكرى السنين التى قضاها معها ، تأكد أنه كان زائرًا ثقيل الدم ..
كانت هى تعد الثوانى حتى يطلع فجر السبت ليغادر الدار و يرحل بــ (تريلته) حتى تتفرغ لمزاولة أمور مملكتها الخاصة …
عقد مقارنات لا تفيده كثيرًا ..
تذكر سنوات النكسة و سيناء و هى ترزح تحت وطأة الاحتلال ، و حالة الضيق التى كانت تلف أغلبية المصريين وتحني كل الجباه ، و بخاصة الجنود منهم ..
برزت أمامه كلمات القائد المُعلم له فى أول محاضرة فى فرقة تعلم القيادة (السواقة) .. سمعها لنفسه …
الكلمات يحفظها عن ظهر قلب و يضعها نصب عينيه كلما واجهه أمر جلل ..
أجل ..
لم تغب عن خاطره طرفة عين مهما تعاقبت السنون ..
كان لم يمضِ على تجنيده أكثر من فترة التدريبات الأولية للجندية والانتقال إلى الحياة العسكرية بكل ما فيها ..
ساعتها قال القائد المُعلم : ــ
ــ الجندية شرف ..
الجندية واجب .. على كل مواطن صحيح و قادر .. و طالما وصلكم هذا الشرف فعليكم جميعاً أن تعلموا أن الالتـزام و الانضباط أساس الجندية .. و الصبر وقوة الاحتمال شيمة الرجال .. و المحافظة على سلامة أرض الوطن سنام الأمر كله .. و التعرف على خصائص معداتكم و صيانتها مسؤليتنا .. من بعدها يصير التعامل معها ملكاً لكم .. أما النصر أو الشهادة فهو منة من الله يحققها لمن يأخذ بالأسباب وتكون قضيته عادلة …..

هذه الكلمات كانت دستور حياته طول مــدة خدمته بالقوات المسلحة ، و أيضًا فى باقي سنين عمره بشركة نقل البضائع حتى كان ملف خدمته طوال الثلاثة والثلاثون عاماً التى قضاها فى الشركة يثبت أنه السائق الوحيد الذى تجاوز معدل حوافز الكيلومترات المنصرفة للسائقين بالشركة و المعمول بها و هو الشاهد على حسن انضباطه و التزامه ، و لم يذكر أنه وقِع عليه جزاء واحـد طوال هذه المدة ..
ترك الرجل امرأته لشئونها التى اختارت لنفسها وغرقت فيها بعشق المحب ، و أصبح يغيب عن الدار لساعات طويلة .. وعند عودته بعد الغياب لا يسأله أحد من أهل الدار عن سر تأخيره ، و ما كان يصنع طيلة هذه الغيبة ..

أحس الرجل أن الجميع تعودوا على غيابه و لا فرق إن كان موجودًا بالدار أو خارجها …

الحياة تسير على نظام ثابت .. نظام وضعته و حددت معالمه “شريفة” و التزم به جميع من بالدار ..
كان خالد زوج فريال ابنته الكبرى محام ، وضعت “شريفة” بين يديه كل أوراق اللعبة و اتخذت منه مستودعًا لأسرارها ، و المستشار القانونى لكل ما يدور فى (معسكر) أم البنات ، و أسكنته فى الطابق الثانى بالشقة الكبيرة ، و أسست له مكتباً بميدان الساعة بمحافظة الإقليم ..

أما علاء زوج أمال الابنة الثانية كان مدرس (ثانوى عام) ، و منبع الأفكار و الأحلام للأسرة ، و المطيع الأول لأوامر “شريفة” ، فهو جالس و متربع فى قلبها و عقلها ، فأسكنته فى الطابق الثانى و أفسحت له الطابق الثالث بالكامل ليكون محلاً لاختراعه الأول على مستوى القرية و القرى المجاورة (الدروس الخصوصية) …

أما زيدان ابن وهدان شيخ البلد زوج عهد الابنة الثالثة كان يعمل فيما قد مضى (ترزى أفرنجى) بمحل كبير بالقرب من ميدان الساعة ، و كان والده وهدان يرعى الثلاثين قيراطًا ميراثها عن أبيها ، و التى رهنتهم له عند إعادتها لبناء الدار ، و قبل أن تتزوج عهد بزيدان ابنه كانت فكت الرهنية و اتفقت معه على زراعة القراريط بالنصف ..
بعد سنتين من زواج زيدان بعهد أنشأت له “شريفة” من مدخراتها التى كانت تقتصها من زوجها الحاضر الغائب ، و زوجي بنتيها فريال و أمال ، مصنعا صغيرا للملابس الجاهزة عندما تحول اقتصاد البلد إلى اقتصاد السوق الحر ، و بالطبع أبرم خالد العقود و الاتفاقيات موضحًا حصة “شريفة” فى هذه الشراكة …

أما غيداء الابنة الصغرى و آخر العنقود جميلة الجميلات .. فازت بمحفوظ الشاب الوسيم و صاحب اللسان الحلو و الحاصل على بكالوريوس التجارة ، و الذى كان فارس أحلام كل بنات القرية و القرى المجاورة فيما مضى و كان المتعهد الرئيسى فى تسويق إنتاج مصنع الملابس الجاهزة ، و إنتاج مزرعة الدواجن التى أقامتها على سطح الدار …

باختصار .. كان دولاب الدار يعمل دون طلب المشورة و الرأى من الرجل أو حتى المشاركة النظرية ..
ظل الرجل مقتنعا بما ساقه لنفسه يوم خروجه لسن التقاعد بأنه أدى ما عليه بكل إخلاص و أمانة و جاء الوقت لكى يتحلل و لو قليلا من حالة الانضباط والالتزام التى كان عليها ..
كان يتمتع بصحة جيدة ، و عليه تعويض بعض ما فاته من متاع الدنيا التى حرم نفسه منها عن طيب خاطر ، فلم يجد ما كان ينشده عند زوجته ، و الشرع حلل للرجل أربعة زوجات عند الاستطاعة …
فكر الرجل و فكر و اتخذ القرار ، و وقف أمامه حائل كبير .. كيف وأين يتزوج ؟
كل حجرات الدار مزدحمة بشاغليها حتى الدور الأول ، و هذا الأمر لم تنسَه شريفة كما لم تنسَ تحريم دخول البهارات الحريفة للدار منذ ثلاثين سنة …

***

فى البدء طرح الرجل على نفسه ما توصل إليه من أفكار .. شرع في عرضها على زوجته شريفة لعل و عسى تتفهم موقفه و تكون البداية التى يتمناها ..
تحيَّن الظروف ..
واتته الفرصة بعد أسبوع من تفكيره الهادئ ..
كان هاجعًا فى حجرته بعد صلاة الفجر ..
على غير العادة تركته “شريفة” نائماً لقبل أذان الظهر ..
دخلت عليه و وجهها متجهم و كأنما طالها مس من الشيطان …
جذبها بذراعه الفتى .. أجلسها بجواره على طرف السرير .. قال بلسان العاقل اللبيب : ــ
من المؤكد أنك تعلمين أنى عشت السنين التى جمعتنا سويًا تحت سقف واحد بكل جد و اجتهاد لم أقصر فيها بأى جهد احتاجه المنزل و الأولاد .. كل شىء وفرته عن طيب خاطر و بذلت كل ما فى وسعى و أكثر ، و انتقلنا من حال إلى حال بفضل من الله ، و كانت معظم سنين حياتى لف و دوران فى بلاد الله من الشمال للجنوب و من الشرق إلى الغرب ..
فى كل شبر كنت أراعى حدود الله كما تعلمتها من القائد المعلم و ضميرى الحى ، و كنت كما تعلمين زائراً خفيف الظل ..
لم أتعدَّ حدود الله معك و لا مع الأولاد ..
بالرغم من الحياة الجافة التى كانت تكتنفنا ، و أنا كما ترين أتمتع بصحة جيدة و الحمد لله ..
و أخشى على نفسى من الخطأ و الخطيئة ..
و أنت أجهدت نفسك بشؤون بناتك و أزواجهم ، و اخترت طريق حياتك الذى أحالك إلى حالة أنْسَتْكِ حقوقى الشرعية عليك ، و من ثم أصابتك بالضعف ، و بدت عليك علامات الشيخوخة المبكرة .. بالرغم من أنك فى بدايات الخمسين ، و ارتضيت بما أنت فيه دون النظر لما هو مطلوب منك تجاهى ، و لم تدرجيها فى حساباتك منذ زمن ليس بالقليل .. و لم أسمح لنفسى يوماً بمحاسبتك على ذلك ..
ليس ضعفاً منى ، ولكن لأننى أقنعت نفسى بنفسى بأن هذا هو المكتوب و لابد من الرضا به ..
لم أبخل عليكِ و لا على البنات بشىء ، و حققت لكم كل طلباتكم ، و طلبات مشاريعك التى نفذتيها لأزواج بناتك بعيداً عنى ، و أصبحت الأحوال بفضل من الله على خير ما يرام ..
و الآن أطالبك بوقفة مع ما فرضه الله عليكِ …
ضحكت “شريفة” ملء فيها كما لو لم تضحـك من قبل سخرية من كلمات زوجها الذى كان يلفه الهدوء و كأنه كان فى منتدى ثقافى يلقى محاضرة على قدر كبير من الأهمية ..
أشاحت “شريفة” بذراعيها ناحية زوجها ، و تركته وحيدًا ، و خرجت من أمامه ليكمل حديثه لأثاث الغرفة الفاخر …
صمت الرجل من بعد أن تركته “شريفة” يحدث نفسه غير مصدق :
ــ هل هذه شريفة بنت عبد المقصود الملاح صانع القفف و الغلقان من خوص النخل ؟!
فاتل الحبال الليف قديمًا ؟!!
و هل ؟!
وهل ؟!
خرج الرجل يترجل فى شواع القرية إلى الشارع العمومى الموصل لعاصمة الإقليم وذهنه شارد من رد فعـل “شريفة” ..
يطرح على نفسه السؤال و يجيب عليه ..
و ما ذنب أبيها ؟!
الذنب ذنبى أنا !!!.
أنا الذى تركت لها الحبل على الغارب …
عم عبد المقصود رحمه الله كان رجلا فاضلا يكافح فى الحياة على قدر طاقته …
أنا المذنب ..
أنا المذنب ….
بعد مدة من السير لا يعلم مقدارها وجــد نفسه يجلس على كرسى بمقهى على مشارف عاصمة الإقليم التى لا تبعد عن ديار القرية سوى كيلو مترات معدودات فالقرية تتبع قسم أول العاصمة .
جلس و رأسه بين كفيه ..
بعد هنيهة جاءه النادل ممسكًا بين يديه فوطة صفراء لينظف المنضدة المتكئ عليها الرجل ..
قال له النادل بصوت خفيض :
ــ مرحبًا بالبطل ..
البطل الذى صنع النصر لمصر …
رفع الرجل كامل وجهه إلى النادل و علامات الغضب تغطى ملامح وجهه ..
بذراع فتية .. أطبق الرجل على طوق (مريلة) النادل ، و جذبه إليه جذبة اختلفت معها ضلوعه ..
ــ هل تعرفنى يارجل ؟
تبسم (النادل) و هو يحاول الفكاك من بين يدي الرجل و هو يقول :
ــ مين ميعرفش بطل من أبطال أكتوبر !!
إنك تراث عندنا !
أنت !
كلما كنت تمر بـ (التريلا) فى نهاية كل أسبوع فى طريقك لقريتك فيما مضى أمام المقهى .. كان رواد المقهى من العواجيز لا ينقطع لهم حديث عنك و عن بطولاتك التى سطرتها فى حرب السادس من أكتوبر ، و كانوا يتناقلونها فيما بينهم بفخر و اعتزاز و اعجاب ، و كان الشباب المحيطون بهم يسمعون تلك الحكايا بشغف ، حتى صارت سيرتك ملتقى للعواجيز و الشباب ، و الجميع يمنون النفس بأن يأتى الوقت كى تجلس و لو لمرة واحدة لتقص عليهم بعض ذكرياتك و ذكريات الملحمة الخالدة فى تاريخ الوطن ..
ــ لقد تأخرت كثيرًا يا هذا ….
ــ ماذا تطلب ؟
بحركة لا إرادية جذبه الرجل ناحيته ثانياً وهمس فى أذنه :
ــ ياهذا .. أرجوك .. هذا موضوع انتهى زمنه .. لا أريد أن أخوض فيه ، و لك أن تعلم أنت و كل رواد المقهى أن ما صنعته كان واجبا علىّ ، و أى مصرى فى مكانى كان سيصنع مثلما صنعت لو أتيحت له الفرصة ..
كما أننى الآن عزمت على التحلل من كل الذكريات السابقة التى لازمتنى لأكثر من ثلاثين عاماً و التى أجتر عذابها وحدى .
بعدما حولها المجتمع إلى متحف الزمن ، و نزعوا منها العبر و القيم ، و راحوا يلوكونها مع ما يلوكون من تاريخ الأقدمين من الفراعنة ..
أنا يا هذا أريد أن أعيش ما بقى لى من أيام كأى مواطن عادى أستمتع بمباهج الحياة و أتعلم لغة شباب اليوم و الغد التى يتحدثون بها ..
{مش ده هو اللى ماشى النهارده } ؟
و لن أخفيك سرّا .. أننى أبحث عن بنت الحلال لأقضى ما بقى لى من أيام فى هدوء معها …..

نزلت كلمات الرجل على عقل النادل كالصاعقة ..
فى بادئ الأمر تعجب النادل مما يسمع ..
مضى من أمامه ليحضر له كوب حلبة باللبن طَلَبَه .. و حاول النادل بشتى السبل أن لا يلتفت أحد من رواد المقهى ناحية الرجل فيعرفونه ، و تكون صدمتهم فيه كبيرة بعد الذى سمعه منه …
حمدًا لله أن مباراة لكرة القدم على وشك البدء .
رص الكراسى فى مواجهة التلفاز ، و راح رواد المقهى يتراصون أمام الشاشة الفضية ، و هو غير مصدق لما طرحه الرجل عليه آنفًا ، و راح يحدث نفسه بصوت غير مفهوم لسامعيه …
تقدم النادل ناحية الرجل الغارق فى بحور اليأس خارج المقهى .. نظر فيما حوله من رواد المقهى وجدهم منشغلين فى متابعة مباراة كرة القدم فى بطولة أفريقيا كان منتخب مصر أحد طرفيها …
مال على الرجل وقال له بصوت مسموع :
إن كنت حقا تعنى ما تقول .. فطلبك موجود عندى ..
اتجه الرجل إلى النادل بكل كيانه ..
أكمل ..
تابع (النادل) حديثه :
بعد انتهاء ورديتى سوف ألقاك عند مسجد (الشيخ عبد الرحيم) فى منتصف الشارع الرئيسى ..
نصلى صلاة العشاء و أصطحبك إلى دارى ، و نكمل حديثنا على مهل …
بعد دقائق انسحب الرجل ببطء شديد من مكانه بعدما سمع ما قصه النادل عليه ، و كان رواد المقهى يتابعون المباراة .. لم يلتفت إليه أحد منهم …
سار بخطوات وئيدة حتى وصل أمام مسجد سيدى عبدالرحيم ..
دخل المسجد ..
انتظر لبعد صلاة العشاء ..
بعد أداء الصلاة خرجا معًا …

فى الطريق من المسجد للبيت عرف ثروت من الرجل القليل من ظروفه الحالية ، و هو متأكد من صدق كل واردة و شاردة يقصها عليه ..

كان ثروت يمتلك دارًا ورثها عن أبيه على أطراف عاصمة محافظة الإقليم خلفها قطعة أرض مساحتها تقترب من خمسة قراريط مضروب عليها سور من الطوب اللبن ، و له ولدان متزوجان يقيمان فى عروس البحر المتوسط ، و زوجته توفاها الله منذ خمس سنوات ، و أخته الوحيدة و التى تصغره بسبع سنوات مطلقة منذ بضع سنين لكونها عاقر و مقيمة معه و تقوم بخدمته ..
بعد أن استقر الضيف بحجرة الضيوف دخلت قدرية على أخيها بين يديها (صنية) العشاء ..
وضعتها بسرعة و خرجت بسرعة أشد لداخل البيت ..
تصور الرجل أن التى دخلت عليه ملكة جمال الإقليم .. لم يرفع عينيه عنها بعد النظرة الأولى ..

تناولا وجبة العشاء ، و أكمل الرجل باقى قصته لثروت و إنصرف فى أمان الله بعد ما قطع على نفسه عهدا بزيارة أخرى بعد التفكير فى الأمر على روية ..
أمضى الرجل أكثر من شهر لم يغادر فيه عتبة داره و لم يستطع مكاشفة أحد من أهل داره بما انتواه فى قادم الأيام …

***

فى صباح يوم السوق خرج الرجل لزيارة شقيقه الوحيد للسؤال عن أحواله كالمعتاد ..
علم منه أن النصف فدان بأرض الجسر كل ميراثهما دخل كردون مبانِ القرية لآخر خط تنظيم من المحافظة ..
فى بادئ الأمر لم يهتم الرجـل بهذه المعلومة وقال لأخيــه ــ و ماذا بعد ؟
ــ نحن شريكان بالنصف فى كل ميراث أبينا ..
ــ يا أخى أنت فلاح إبن فلاح .
لاتفرط فى شبر واحد من ميراثك ، وعليك مداومة ما أنت عليه ..
إنك تجيد زراعة الخضروات التى تدر عليك ما يحتاجه بيتك ..
ــ عندى رأى خلاف ما تقول
أنا أقترح أن أبيع ما يخصنى من تلك القطعة على أن أشترى فدان أرض زراعية بحوض الأربعين الكائن بعد الملاحة ..
فأنت تعرف أن المتر فى هذا المكان وصل سعره إلى مائة و خمسين جنيها .. بمعنى القراريط الستة ميراثى سوف تباع بمائة و سبعة و خمسين ألف و خمسمائة جنيه ، و فدان الأرض الزراعية هناك لا يتعدى ثمنه مائة و أربعين ألف جنية وخمسمائة .
يعنى سوف يتوفر معى ما يقرب من سبعة عشر ألف جنيه يمكننى أن أزوج ولدى الكبير …
ماذا قلت ؟
سمع الرجل (الحسبة) من أخيه الأصغر ولم يفكر فيها فى حينها ..
كان كل ما يشغله هو مفاتحة أخيه فى موضوع زواجه الذى انتواه و لم تتح له الفرصة ..
مضى من عند أخيه و كان الوقت يقترب من الغروب .. ظل يسير فى اتجاه المدينة ، الأفكار تلعب برأسه يميناً و يساراً ، فى لحظة ينتشى ، و فى الأخرى يعبس و يتجهم وجهه ، وتتوقف قدماه عن المسير ، حتى وجد نفسه يدق باب ثروت بيد الواثق ..
فتحت الباب قدرية ..
بصوت أقرب للهمس قالت :
إنت ؟
إتفضل ..
رفع عيناه فى وجهها للحظة ، ثم نكسها ثانية للأرض و قال : ثروت موجود ؟
أجابت و عيونها لم ترتفع من فوق وجهه : نعم !
أدخلته قدرية حجرة الضيوف ، و جلست بجواره و هى تتطلع إلى كل تفصيلة فيه ..
يا مرحباً ..
أنا أخت ثروت ..
و لعلمك زوجة أخى متوفاة ..
و أنا أقوم على خدمته ..

بدى الخجل على وجه الرجل و همّ واقفاً يريد الانصراف .. فى ذات اللحظه دخل ثروت مرحباً به و مسلماً عليه وهو يقول :
ــ إيه الغيبة الطويلة دى .. رحت و قلت عِدُوا لى .. فينك يا راجل ؟
تصبب العرق من جبين الرجل و حاول أن يلتقط أنفاسه المتقطعة ..
ــ لا غيبه ولا حاجة .. المهم عملت لى إيه فى الموضوع اللى قلت لك عليه ؟
نظر إليه ثروت و قال :
ــ آدى الجمل و الجمال وأنا يسعدنى مصاهرتك …
تبسمت قدرية ابتسامة الرضا و خرجت من الحجرة مسرعة ..
أمسك الرجل بثوبها قائلا :
ــ إحنا مش صغيرين …

و انطلق يقص عليهما كل الأفكار التى ترواده طوال الطريق بعد أن خرج من عند أخيه ..
ــ إذا كان الموضوع على هذا النحو فإننى لا أريد الزواج فقط بل أريد الشراكة و المشاركة حتى نهاية العمر .. فأنا عندى موضوع على قـدر كبير مـن الأهـمية أريد أن أتحدث فيه معكما قبل الإقدام على الارتباط الرسمى .
إذا وافقتم عليه سيكون باب السعد لنا جميعًا ..
اتسعت حدقات أعين ثروت و قدرية عن آخرها و انتظرا ما سيلقيه الرجل على مسامعهما ..
قال:
ــ أنا حضرت لكما الآن من دار أخى وكان يعرض علىّ بيع جزء مما أرثه عن والدى بأرض الجسر ، و المتوقع أن يكون المبلغ فى حدود مائة و خمسين ألف جنيه و لديّ قرابة مائة و عشرين ألف جنيه فى البنك هى مكافأة نهاية الخدمة ، و الاقتراح الذى أسوقه لكما هو إقامة قاعة أفراح على قطعة الأرض التى تمتلكانها خلف بيتكما هذا ، و أنا سأتكفل بإنهاء كافة الإجراءات القانونية و التصاريح اللازمة لذلك على أن تكون الإدارة من اختصاص ثروت و الأرباح تكون حسب الأنصبة القانونية ..
تهلل وجها ثروت و قدرية بِشْرًا و أبديا موافقة الفورية و قرأوا الفاتحة على الخطوبة و بداية المشروع بعدما اتصل ثروت بولديه في الإسكندرية و حضرا فورًا للمشاركة معهم .
عاد الرجل إلى القرية و ملامح خطيبته تملأ عليه جراب أحلامه و دخل إلى فراشه البارد و هو يحس برعدة لم يعرف لها من قبـــل طريقًا ..
بعد هنيهة دخلت عليه شريفة زوجته محاولة مناقشته بلسانها البتار اللاذع و هو يسبح هناك بعيدًا ..
خلعت ثيابها المليئة بالحوارات و الأوامر القاطعة لكل من تقع عليه بصرها و الرجل سارح فى أحلامه الجديدة كالمغيب ..
رفصته برجلها كالمعتاد لم يهتم لرفصتها و تبسم من الداخل ..
وضعت رأسها على الوسادة و راحت فى نوبة العزف المنفرد (الشخير) ..
لم يبال الرجل بما تصنع .

قبل شروق شمس اليوم الجديد كانت شريفة تطرق باب الشقق بالطابق الثانى و الثالث و الرابع و توقظ أهل الدار و تضع عند عتبة كل شقة جدول أعمال اليوم ، و عند عودتها إلى حجرتها وجدت الرجل يصفف شعره أمام المرآة وهو يطلق صافرة (بتلومونى ليه) ..
تعجبت وزاد حنقها على زوجها ..
بصوت إلى الفحيح أقرب قالت : ــ
ــ مالك يا راجل .. باين عليك رايق أقوى ..
لم يعرها اهتمامًا و راح يكمل تصفيف شعره ..
قبل أن يخرج من الحجرة نظر إليها وقال بكلمات محددة :
ــ لعلمك أنا قرأت فاتحة بالأمس ..
أنا خطبت …
ضحكت شريفة :
ــ والله ؟!
ألف مبروك ..
إمتى الفرح ؟
و إمتى هاتسيب لنا الدار ؟
بكل هدوء قال :
ــ عندما أنتهى من إقـــامة قـــاعة الأفـراح .. و ترتيب و تزيين الكوشة ….

انخرطت شريفة فى نوبة من الضحك المتصل و خرجت من أمامه حتى بلغت آخر الشارع ، و الشوارع المجاورة ، طافت القرية و القرى المجاورة على قدميها ، و كل من رآها يضرب كفًا بكف ، و هو يتساءل على أىِّ شىء تضحك هذه المرأة (الجامدة) ؟

بعد مضى ما يقرب من ثلاثة شهور علم كل من بالقرية و القرى المجاورة حتى أطراف عاصمة الإقليم أن جبروت المرأة (الجامدة) تكسر عند رحابة صدر قدرية و حكمة أخيها ثروت و ولديه ..
السيدة العاقر التى كانت تطهو الطعام لهم جميعًا بحب مع إضافة كل البهارات الحريفة .

السابق
من أنتَ يا صديقي !! ؟
التالي
ثوب الحرية

اترك تعليقاً

*