القصة القصيرة

بوابة الجحيم

أستيقظ غريب من نومه مفزوعا والعرق البارد يتصبب من جبينه كالمحموم الذي أصيب بنزلة برد ، تلازمه الرجفة وكأنه ورقة خريف في نهاية العمر تعبث بها الريح. ضغط على زر المصباح المتواجد على يمينه فعم النور الغرفة وانجلى الظلام ومعه الوحشة ،
نظر إلى رفيقة لياليه الجليدية المعلقة على الجدار عقاربها تشير الى الثالثة صباحا ، لم يمر على غفوته الا الشيء القليل ، ساعة لا أكثر. التفت صوب قرينته نجاة ّ، رآها غارقة في نوم عميق منذ ساعات. ابتلع ريقه وتمتم ّ اللهم اجعله خيرا ّ ، نفث عن يسراه ثلاثا وتعوذ بالله من شر هذا الكابوس المزعج ومن شر الشيطان الرجيم .
هرول نحوالمطبخ فاصطدمت رجلاه بدمية ملقاة على الأرض، صب نهرا من القهوة في فنجان يتسع لهمومه وأشعل سيجارة حرائقه وراح يتلذذ بها بعصبية ، هي الوحيدة التي تقاسمه همومه وسواد لياليه الرتيبة ، تحترق معه ومن أجله ، تموت بين شفتيه ثم تنبعث وستضل على حالها إلى أن ينبلج الصبح وتشرق الشمس.
جلس على الكرسي وراح يلملم شظايا حلمه المزعج ، قد رأى فيما يرى النائم صديقته ّمنارّ تغرق في البحر ومن بين الأمواج المتلاطمة ظهر طيفا يدعى ّايروسّ يصرخ بكل قواه طالبا النجدة ويردد :ّ النجدة..النجدة..أفروديت تغرق.. ّ وفي لمحة بصر هب غريب لتلبية النداء، وفي محاولة منه لنجدتها كاد أن يغرق .اهتز جسده ، أفاق من نومه فوجد نفسه في فراشه.
انه جد قلق لأنه يعلم بأن رؤية المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوءة ، لذا بدا منزعجا ومتشائما من الأيام المقبلة وما تخفيه في طياتها من مجهول ، هذا المجهول الذي غالبا ما نسميه قدرا ولا نعترف به كنتيجة لأخطاء قد نقوم بارتكابها في حق أنفسنا أوفي حق الآخرين ، هذا المجهول الذي أحيانا مانكون نحن صانعيه ونسميه قدرا قد يكون الطريق المأساوي المؤدي للجحيم كان غريب أول من حدا عن الطريق السوي حين مشى وراء عواطفه واعتقد أن الهروب نحو الأمام يمكن أن يغير من لياليه الحالكات .كان يعتقد أن ّ منارّ رماها القدر قي طريقه كواحة يلتجئ اليها كلما اعترضته العواصف، راح يتقرب إليها حتى كسب مودتها ونشأت بينهما صداقة قوية صداقة بين رجل وامرأة كليهما يبحث عن حلقته المفقودة ، رجل يبحث عن امرأة يهرب إليها من الحقيقة لتنسيه هموم الدنيا ويجد ذاته فيها وامرأة تبحث عن رجل قد ترتمي في أحضانه حين يشعرها بالأمان وبقيمتها كامرأة . ظلت تحاصره ويحاصرها كما يحاصر المتوسط مدينتهما حتى استردا ثقتهما المفقودة وبهذا يكونا قد وضاعا الدعائم الأولي لمدينتهما الفاضلة التي كانا يحلما بها ولكل منهما نظرته الخاصة فيها دون أن يطلع الطرف الأخر عليها.
ومرت الأيام في تسلسل مثير الا أن أحس غريب بقوة عجيبة تدفعه دفعا تحو منار لم يجد لها تفسيرا سوى أنها ساحرة كالبحر ، شقراء ذات عيون زيتية ، هادئة الطباع ، حزينة وجذابة ، تحب الورود ولحظات الغروب.
ذات يوم أهدت له قلما وقالت مازحة: (( أكون سعيدة لو تتقبل هديتي المتواضعة ..
كانت هدية مسمومة ، رسالة مشفرة لن يفك طلاسمها الا المحبين. تقبلها بانقباض وراح يناجي نفسه في صمت: ((ألا تعلمين بأن الأقلام رسائل حساسة ودعوة إلى اتخاذ القرارات الحاسمة ؟ ، أحقا انك تدركين حديث الأشياء وتودين إشعاري بخطورة الموقف أم ماذا … ! ! ؟
من يومها أحس غريب بتصدع مدينتهما التي كانا يهربا إليها من الواقع . انقطعت منار عن مواعيدها المعتادة وضل المكان مزارا له لوحده إلى أن التقيا ذات يوم دون سابق انذار.
.. جاء إلى الشاطئ وجلس بالقرب منه ، وجاءت بعده وجلست قربه وظلا على حالهما إلى أن مزقت السكون.
قالت : انه يوم حار.
قال : انه شهر أغسطس .
قالت : النباتات تحب الماء.
قال : الماء نسغ الحياة.
وأحس برغبة ملحة لمتابعة الحوار وأردف يقول :
أنا أحب الورود لأنها مثلها مثل الانسان ، تحتاج للرعاية منذ أن تكون نبتة صغيرة..وعندما تمد جذورها في الأعماق..
قاطعته وقالت : العروق الخضراء.. مثل الأطفال ..انها مشاريع للمستقبل ، ألا تشاطرني الرأي ؟.
لحظتها تيقن غريب من مقصدها ، انه طموح كل امرأة ذكية وعاشقة تبحث عن شرعيتها دون أن تسقط في مخالب الرذيلة أو تنزلق نحو الخطيئة. لم يرد عليها بل راح يتذكر مشهد ابنته الوحيدة وهي تحتفل بعيد ميلادها السابع، أثناء تقطيعها التورتة قالت بشقاوة : ((القطعة الأولي لبابا أما الثانية فهي لماما..)) ثم واصلت حديثها بتهكم الكبار : (( لا تغضبي يا ما ما إني أحبكم جميعا ستكون أول قطعة لك في عيد ميلادي الثامن فما عليك الا الانتظار..)) وراحت تعانقهما وتقبلهما في حنان فياض حتى أحسا بأنهما أسعد زوج في الكون ونسيا خلافاتهما ، في هذه اللحظات هبط غريب من غيمته وحط على أسلاك الواقع كنورس أضناه التحليق فأوجد نفسه بين نارين وأحس بأن المجهول يحاصره واللحظة مواتية للتخلص منه للأبد ، وان أوجبت التضحية لا بد له أن يضحي…
ا ستنتج بأنه أحيانا تبدأ مأساة الانسان بكلمة طائشة أو قرار خاطئ في لحظة غضب ولا شعور ، تبدأ من لا شئ من تفاهات طرف ما حتى يحس الطرف الأخر بالإهانة فتبدأ الهوة تتسع شيئا فشيا وتتصاعد كالدخان إلى أن تحتل مكانها عاليا بين النجوم ويبقى الانسان عاجزا عن حصرها إلى أن يتعطل عقله عن التفكير ويستوي الخطأ بالصواب و من جملة الأخطاء حين لا يعترف الرجل بجنونه لقرينته ويعترف لأخرى بحبه الجنوني معتقدا أن السعادة امرأة جميلة أخرى يفتح بابها على النعيم دون أن يعلم بتصرفه هذا قد يفتح لنفسه بوابة الجحيم وما ّ منارّ ما هي الا مدخلا للنار، لو أجابها بصدق عما يشعر به تجاهها لتعقدت الأمور، ، عمل كل ما بوسعه لكي يبدو متماسكا ورد عليها بهدوء وبرودة أعصاب:
– لنبقى أصدقاء وباسم الاختلاف تستمر الحياة ، بالمناسبة عائشة تبلغ لك السلام.
– انك لم تجيب عن سؤالي بصراحة.
– بصراحة …بصراحة يا ّمنارّ أنت لا تختلفين عن الذين لا يؤمنون بصداقة الجنسين أنك تطلبين المستحيل .. ،لا زلت شابة والمستقبل أمامك.
– عندما أفقد اسمي في ذاكرة من أحب فلن أحاول البحث عن البديل لأن قوتي تكمن في انكساري وفي صمتي انهياري .أنتم الرجال سواسية..لن تراني منذ اليوم..الوداع..الوداع.
أحمر وجهها وراحت تعدو والدموع تنهمر من عينيها دون أن تلتفت ورائها، أحس غريب بالندم الممزوج بالشفقة لكنه أيقن بأنه أفلت من المجهول الذي كان يطارده، لم يسقط في معركة الحياة بل سقطت عواطفه دفاعا عن وطنه الصغير وتغلب العقل على القلب والوقت كفيل بتضميد الجراح .
مر أسبوع كامل على اختفاء منار دون أن يعرف لها أحدا عن أثر حتى جاء اليوم الذي فتح فيه كالمعتاد جريدته وإذ به يعثر على صورة لوجه ليس بغريب عليه وقد كتب تحته في ركن الحوادث :(( لقد عثر على فتاة في سن السابعة والعشرون من عمرها جثة هامدة على طريق الطنف المؤدي للميناء وحسب شهود عيان لقد رمت بنفسها من فوق جسر الحياة وفي انتظار التحقيق القضائي حول ملابسات القضية تبقى الأسباب مجهولة)).

ثم قال وكأنه يخاطب شخصا بذاته ((أيها المجهول..لو كنا نعلم..)) وضل يتأمل في صورتها وكأنه يكلمها قال مناجيا نفسه : (( ها هو برهان الجزء من الأربعين جزءا من النبوءة قد تحقق ، لكن هل لي دخل فيما أقدمت عليه؟ أم انه قدرك ؟ وانتحارك .. أكان قضاء وقدر أم أنا المتسبب فيه؟))
وبينما هو على حاله إذ بعائشة تقف فوق رأسه دون أن يشعر بها ، فتنتشله من غفوته بسؤالها :
– بابا..بابا..أليست هذه صورة طاطا منار ؟
نعم يا عزيزتي انها طاطاك منار.
هل أصبحت من المشاهير؟ ولماذا تبدو عيناها مغلقتان ؟
– لأنها لم ترد أن ترى الحقيقة المجردة بعينين مفتوحتين.
وفي محاولة منه للتهرب من أسئلة أخرى قد تحرجه ضمها لصدره هاتفا في أذنها :
بلغي ما ما نجاة بأننا سنزور معا هذا المساء منتزه ّ جنة الأحلام ّ الذي لم نزره منذ مدة.

روان علي شريف قاص ناشئ من جيل فجر الاستقلال . من مواليد مدينة وهران بالجزائر. كانت بداياته مع نهاية التسعينات أول ما بدأ يكتب بدأ باللغة الفرنسية وفي ضل انعدام التواصل مع المبدعين تحول للكتابة باللغة العربية مغتنما الفرصة التي أتاحتها الصحف الناطقة باللغة العربية للشباب المبدع وكان ذلك مع الانفتاح الديمقراطي والتعددية الثقافية حيث كانت جريدة الرأي السباقة في احتضانه واحتضان المواهب الشابة التي تنشط على المستوى الوطني .

له مجموعتين قصصيتين تحت عنوان هدى والعاصفة ودائرة العتمة وكلتيهمانشرتا بالصحف الوطنية .

سبق للقاص أن زاول دراسة الحقوق لكنه فجأة غير وجهته والتحق بمعهد الأرصاد الجوية وتخرج منه ليلتحق بمركز التنبؤات الجوية المهنة التي لا يزال يزاولها حتى الآن.

من حين لآخر يتناول بعض القضايا الثقافية في مقالاته عبر الصحف الجزائرية ومن بين نشاطاته المتعددة الاشراف على تفعيل المشهد الثقافي المحلي وله متعة في انشاء النوادي الأدبية وتنظيم الملتقيات وهذا حبا للأدب والتنقيب عن المواهب الشابة والدفع بها الى الأمام. ويعتبر كذالك عضوا فعالا في نادى وحي القلم الذي رأى النور مع مطلع ربيع 2004.

كما يعتبر أقلامي فعال في منتديات أقلام الثقافية ،منبر دنيا الوطن كما هو منتمي الى رواق الادب،مجلةاقلام شابة وعدة مواقع ادبية اخرى.

شارك في عدة ملتقيات أدبية محلية ووطنية ونال الجائزةالأولى في ملتقي المدينة للابداع الادبي لسنة 2005 الذي نضمته جمعية افاق بالتنسيق مع المجلس البلدي لمدينة وهران عن قصته حالة اجهاض كما فاز ايضا بالمرتبة الاولى بالمرتبة الاولى في القصة في مسابقة ملتقى شموع لا تنطفئ في طبعته الاولى سنة 2011 .

السابق
صدمة
التالي
فقدالصبر..

اترك تعليقاً

*