القصة القصيرة

بين الجد

تُراث ياسمين حضنت زوايا بيتها العتيق..شذا حقولٍ صباحاتُ من غادروها..صورٌ على جُدرانها تروي حكايات سُمارها..نوافذُ الضحكات الطفولية..وموقدُ كانون الذي أحرق غضب الزوار في الليالي الباردة..بئرُ الماء العذب في لحظة عطشٍ صيفية..والخطوات الخجولة حين كانت تقترِبُ لِمُصافحتهِ كل زيارة..
ـ ما أقسى قلبك دمرت حُلمي بالحياة، وتأبين الرحيل!
ـ ما ذنبي أُدفن مرتين؟!
ويستيقظ في البال كل عتيقٍ، من عبق الأيام الحلوة، عندما كانت تُشارِكهُ حُلم العودة إلى الغُرف الفسيحة، وفناءُ الدارالوسيع..تجلسُ إلى جانب جدتها، تُساعِدها في ترتيب أصيص الزهر، أو رص مرطبانات مُرَبَّى الورد البلدي الذي يجنيه جدها من بُستانهم الحكاية..
أيام الربيع عندما كانت تتفتح أزرار الورد بكميات كبيرة، وتنتشرُ رائحتهُ في الأرجاء مُعلنةً موسم مُرَبَّى الورد وماء الورد!
قدمت لهُ القهوة، وجلست إلى جانبهِ، أعلى سطح الدار الملاصق لِبقايا دارِهم العتيق..
ـ هل تُحبين هذا المنزل؟
ـ وبدمعة حارة (تناوبا على مسحها) أجابتهُ نعم..
ـ لِم هجرتموه؟!
ـ نحن لم نهجره إنها مشيئة الحاقدين؟
بعد عِلم جدي بعلاقة والدتي وأحد المُحامين الذين كانوا يترددون إلى منزلهِ، صمم على أن يُبعدها عن حياتنا، مررنا بسلسلة من المشاكل، تم الانفصال، ولم يشأ أحد استرجاع الماضي، بنى جدي هذا المنزل الذي نحن فيه، تاركاً الدار القديمة للأيام، لكن والدتي أرسلت من عرض على جدي شراءها، ليقيم مبنى فوق أرضها..مازالت المفاوضات مستمرة، من جهتي أنا لاأريد هدم الدار، فيها طفولتي الجميلة، رغم مرارة ما تركته لي أُمي من ذكريات فيها..
بدأت ستائر المساء تنسدِلُ فى جبين الأفق ـ مدّ يدهُ إليها ليساعدها على النهوض، كان مُتأثراً من روايتها الحزينة، لا شك أنها تُخفي الكثير من المآسي خلف نظراتها البريئة، وضحكتها التي بالكاد يراها، إنها لاتضحك أبداً رغم ربيع العمر، وعنفوان الصبا..
نظر إليها بتمعن، هي جذابة، حادة النظرات، شارِدة على الدوام..لاتتكلم كثيراً، في ماضيها استفهام وأكثر، سببت لها خيانة والدتها شرخا كبيرا..أحبت العزلة، واستبدلت الأصدقاء بالكتب..لاحُضن حنون، لا يدٌ تُطبطِبُ عليها، ولا أُمٌ تُصرِحُ لها بمشاعرها نحوه، بعد مغادرته مجلسها!..
اِبتعد كما باقي الزوار، يأتون لِيُغادِروا، لا أحدَ يبقى بجانبها طويلاً.. مهما طالت الساعات، دخلت إلى غُرفتها وقد عاد طيف والدتها إليها..
ـ صرخت في أعماقها، ابتعدي، لا أُطيق أن تأتي.. وعبثاً حاولت النوم..دنا النهارُ واستعد الديكُ لإيقاظ النيام.. هاهي الشمسُ تُرسل ابتسامتها عبر أشعتها الذهبية، وحركة الشوارع الصاخبة بدأتُ باختراق مسمعها..نهضت بتثاقل، لِتبدأ صراعها وقلقها.. توجهت إلى المطبخ لعمل القهوة، شعرت وكأن المبنى يهتز يرافقهُ صوتٌ قويٌ، صعدت أعلى سطح المنزل تستطلع الأمر، فاجأتها ابتسامتهُ أمام جرافةٍ ضخمة تُزيل كُل أثرٍ لِدار جدها العتيق، سيبني عمارة ارتفاعُها يفوق ارتفاع عمارة منزلهم، وسيدفن ذكرياتها، و…لاحت لها في الأُفق الباهت حواماتٌ عسكرية، تخترقُ سماءهم الآمنة..اِختلطت الأصوات… جرافات تهدم، شوارعٌ تئنُ، وحواماتٌ تعددت أغراضها..اقترب طيف أُمها..صرخت ابتعدي ، اِقترب أكثر صرخت: اِبتعدي، حتى بدا لها و كأنه يسقطُ فوق رُكام المنزل العتيق، أسفل الدرج الذي كانت تتركها بقربه، لِتنهشه الجرافة تُهشمه ، تُقطع أوصالهُ..نجت من طيف أُمها..وما إن تبدد خوفها حتى اعتراها من جديد قلقٌ مِن نوعٍ مستعصٍ، رافق اقتراب الحوامات من سطح منزلهم الذي فُجِع بخسارةِ الدار العتيقة!!

السابق
قراءة نقدية في نص “حروب النمل”
التالي
مشاهير

اترك تعليقاً

*