القصة القصيرة جدا

بين ظلين

..لو كنتَ نخلة وارفة تمد اشرعتها زورقَ ظلٍ، لكل من اراد ان يعبر بحر قيض الصحراء.! لو كنتَ جناحا وارفا
يتيح مروحة ظل، لكل كائن تلفحه الصحراء..! لو كنتَ..؟ لو…؟
لكنك، في الواقع، لو اخرجتَ رأسك من مخبأك في الظل، لَلَوَتِ الشمس عنقك كما برعم وليد.! فما انت إلا نبتة ظل، لاتستطيع سوى ان ترمش عينها الباهتة في اشعة الشمس الساطعة.! وأنى لشمعة ان تمنح ظلا.!؟
إنها ضريبة انْ تعيش تحت كنف ظل.آنَ انْ تدفعها، وقد بدأ ينحسر عنك..! ومهما تمنيتَ من مستحيل، تبقى دائما معوزا الى من ينشر اجنحته الوارفة درعا ظليلا يحول دون ان يمتصك لسان القيض الضمآن.؟ ومهما تمنيتَ.. تبقى بكَ فاقة ماسة الى استجداء ظل جديد، وإلاّ كشفتكَ الشمس.؟
تخثّر الظل في روحك، وصارت بركتها راكدة، لم يخضها، اخيرا، سوى إدراككَ ان تلك القامة الضخمة، التي وقعتَ في شباك ظلها كما ذبابة في شُعّ عنكبوت، كانت ضخمة بمقدار يتناسب عكسيا مع قزمية نظرتكَ، وأنها بدورها كانت في كنف ظل اعظم، ولم يكن ظلها قائما بذاته.! لم تكن قامة ضخمة بما يكفي امام سوس الزمن وتقلبات الرياح، ولم ولن يمتد ظلها الى خلودٍ.! بل هاهو في حالة جزر، تنحسر امواجه عنك، حثيثا حثيثا، وتتوعد بأن تتركك اعزل كرضيع امام اشعة شمس لافحة.. فتذبل، وتجف منك الحياة، ياعبد الظل..؟ وكي تبقى عليك ان تتكيفَ من جديد. أن ترتمي، في غمرة المرتمين، في كنف ظل جديد؛ وحتى ان تداس وتتمسك مع ذلك بناصية ذيل من اذيال ظل جديد، قبل ان تدركك الشمس، يا خفاش الظل..!!
إنه قدر تاريخك، منذ ان أُخرِجتَ، عنوة، من عتمة الادغال، لما كانت تتناثر أشتات القافلة على منحدر العودة؛ ودُفِعتَ، عنوة ايضا، الى عتمة الظلال..؟ وها انت الآن خائفا منكمشا، لاتستطيع حتى التحديق في اشعة الشمس الزاحفة، حثيثا، الى مواقع يخليها الظل المنحسر حواليك.. تقعي مستسلما لاحول لكَ تتساقط عليك اوراق اغصانٍ مترهلة لشجرة ظلٍ نُخِرتْ، بانتظار ان تجدَ نفسك يتيم ظلٍ في عراء الشمس، إن لم تلذْ بشع ظل بديل..؟
وعلى افتراض ان ما تلمحه في الافق ظلا حقيقيا يمد حواشي سيادته اليافعة، وليس سراب ظل؛ فإنه لايمكنكَ ان ترتق جسرا من ظلال، على هذه المساحة الشاسعة من بحر تتلاطم فيه امواج الشمس الممتدة بين الظلين..؟ لايمكنك ان تخرج الى الشمس، وتسبح في شاطىء اشعتها، قبل ان تعبرَ وتدخلَ الى اكناف الظل الجديد..؟ انت ابن الظل.. والظلمة..! انت خفاش الظل..! ولايمكنك سوى انتظار غروب الشمس، كي يمكنك العبور تحت ظل الليل، لتنحشر في كنف الظل البديل.؟ لايمكنك سوى ان تختبأَ عن عين الشمس..وتنتظر الليل، ياابن الظل…؟

السابق
وفاء
التالي
لا وقت للكفن

اترك تعليقاً

*