القصة القصيرة

بين مجمعين

الطريق من حنينا إلى مجمع الغور القديم مشيًا قريبة ومختصرة، تصعد من أدنى مخيم إربد، ثم تخترق حي المطلع نزولًا إليه، وتستغرق نحو نصف ساعة. لكن السيارة تقطعها في أقل من ذلك، خاصة وقت الفجر، حيث تنهب الطريق الخالية نهبًا.
المجمع القديم كان قديمًا بركة مياه يستخدمها اهل إربد استخدامات شتى، لكن بعد تمديد شبكة المياه إلى البيوت اندثرت، ثم طمرتها البلدية، وعملت مكانها مجمعًا للسفريات للأغوار والكورة وقرى غرب إربد.
بعد أن خرجنا من صلاة الفجر، وجدت أبي قد وضع بباب المسجد حقيبة متوسطة قد صنعها من شوال طحين بلاستيكي، وبطّنها بشادر سميك، وصنع لها يدين لحملها، أحسست بثقلها وأنا أحاول حملها، لكنه حملها عني على كتفه، وركنها بين يديه عندما جلس إلى جانب العم أبي ربيع في السيارة المرسيدس 190.
أبو ربيع: أعانك الله؛ ثقيلة هذه الحقيبة؟
* نعم، فيها ملابس العمل لي ولابني، وطعام الفطور والغداء: خبز، خيار، زيت، زعتر، وتوابعها. ومقص الشجر، ومطرة ماء للشرب، …
– قاطعه أبو ربيع: لم أقصد معرفة ما فيها، بل أحسست بثقلها.
* ضحك أبي وقال: لا تهتم، مجرد حديث!
نحن جعناها كبيرة لنملأها بالخضار ونحن عائدون.
– “شو زارع بالأرض؟
* كوسا وباذنجان وملوخية، وبعض مونة الدار: بندورة، ولوبيا، وبامية.
في الصباح الباكر لم يكن مجمع الغور مزدحمًا، فلم يكن فيه إلا حافلتان تنتظران ركابهما لتنطلقا إلى الأغوار، واحدة إلى الشونة الشمالية، والأخرى إلى الغور القبلي: وقاص، المشارع، وادي اليابس (الريان)، كريمة. وسيارة أبي ربيع تنتظر المستعجلين من الركاب.
تكون الحركة في الصباح عكسية، من القرى إلى المجمع، ولذا يبدأ ازدحامه بعد شروق الشمس، فما ان وصلنا المجمع حتى بدأت الحافلات من قرى غرب إربد تتوالى بركابها.
في اليوم التالي قال أبي لأبي ربيع: اذهب بنا طريق السوق، نريد أن نشتري حمص وفول من عند أبي خليل الفوال.
كان هذا الفطور الملوكي إكرامًا لي لما بذلته في اليوم السابق من جهد في جرّ الماء لسقي المزروعات، ثم تحضير النار لطبخ قلاية بندورة على الغداء.
طريق السوق يمر بشارع حكما حتى الميدان، ثم نتدلى في شارع فلسطين إلى المجمع. ولقد وجدته أقرب وأكثر أنسًا وفائدةً، فحركة الناس في السوق فجرًا أكثر، كما أن حمص أبي خليل لا يعلى عليه.
أبي وأبو ربيع انتقلا إلى رحمة الله، وانتقلت حافلات الأغوار من المجمع القديم إلى المجمع الجديد، على باب إربد الغربي.
تتطوّر الحياة وتتجدد، ويتجدد معها الإنسان ويبلى، لكنها تستمر بلا توقف، وتتغير معها طبائع الناس والأشياء والحياة.
فها قد عدت بعد أربعين عامًا انطلق بعد صلاة الفجر، لأوصل ابني إلى مجمع الأغوار، لكنني لا أحمل فطوري، ولا ملابس العمل، ولا حقيبة بلاستيكية يدوية الصناعة. كثير من الناس أراهم مبكرين إلى المجمع، لكنهم لا يحملون إلا جوالاتهم وشواحنهم وسماعاتهم.
وعادت عيناي لتلتقط صورًا من هنا وهناك، وترصد تغيّر الحياة ونمطها، لكنهما لم تسطيعا أن تدركا تغيّر نكهة الحياة في أفواه من خفّ حِملهم وزاد همّهم.

السابق
أعرفه
التالي
حسرة

اترك تعليقاً

*