القصة القصيرة

بين وجهين

..كانت هي، بقامتها المنتصبة، ونظرتها الثابتة، وابتسامتها الواثقة، العذبة..! احلام.. تقف الى جانبي، امام كنتوار البقال.. وتسأل عني، بعد سنوات لم نلتق خلالها، ولم يكن بيننا اي اتصال، ولا اعرف اين كانت.!! بدتْ كما رأيتها آخر مرة، في ساحة الجامعة، لولا بعض ظلال من حزن، تمتد في نظرتها..!
لكنها لم تعرفني، وما كان لها ان تعرفني، انا المختبىء خلف قناع من شارب كثيف ولحية وقبعة واطئة.؟ وما كنت قادرا على كشف القناع؛ فالبقال يعرف ابي، وسيخبره بامري، ولن أجد حينها جوابا واضحا ادافع به عن براءتي..؟
لذلك اشتريت علبة سجارة، وتركتها تستفسر عني، ما إذا كنت انتقلت الى مدينة اخرى، ام لازلت هنا.؟ اقتلعت قدمي، وخطوت خارج الحانوت كمن خلف قطعة منه حيث كان يقف.! فابي دائما يقف بيننا كهوة لاتستسيغ جسرا.؟ إذ بعد ان سحبني من الجامعة، بحجة أن احلام وجماعتها وجامعتها، يلوثون عقلي وسلوكي، حين رفضت الذهاب بسيارة فاخرة للدراسة،
وفضلت استعمال النقل العام؛ هاهو شبحه الصارم يقف بيننا ثانية، ويحول دون لقاء بعد طول افتراق، بحجة اني اختبأ خلف قناع سينكشف..! بعد ان اجهض علاقة في المهد؛ هاهو يجهض لقاءا بطعم إلتقاء الارض بالمطر بعد طول جفاف.! كانت حبيبتي، ومعلمتي، ولمسة من امي، التي ماتت ربما بسبب أن قلبها الكبير لم يستحمل بطن ابي الكبير. وكانت حاميتي وحصني من سخرية الطلبة وإستهجانهم، إذ كان اسم ابي كافيا لاستثارة صفير مزعج.! لكنه رآى، هو الذي عينه وسعت كل شيء، أنها، وأنهم يلوثونني، فانتشلني من..القمامة في سطل الجامعة.؟
لكن احلام لاتعرف انه ألحقني بمشاريعه الضخمة، وقذفني الى صحراء حساباته الجافة. وجعلني عكازا طيعا تستند عليه جثته الضخمة المترهلة تحت بطن ضخم، ماعادت اطرافه المسنة تقوى على حمله..!
قد تعتقد احلام، إن رأتني، أني استمتع بحياة سعيدة،
إذ أسوق سيارة من آخر طراز، ولا أحمل هما للمال، وكل ما ارغب فيه، يأتي صاغرا، بإشارة بسيطة، وإن استعصى، تكفي همسة من ابي، لتنفتح كل الابواب.؟ لكنها قد تستغرب إذا علمت اني أذوب كما شمعة فاخرة، من لفح الرفاهية.. اني استمتع بعبودية مرفهة.! أني احتاج الى قناع يخفيني عن عيون عين ابي، كي اعيش كما أريد. ويخفيني عن عيون الذين يكرهون جشع ابي وقسوته، الذين احب العيش بينهم، في دنياهم.. اختفي خلف قناع كي ارتاد مقاهيهم، واسرح في مجالسهم، و.احلق مع دخانهم.؟ فلطالما آلمني ان احترق بنار وِزْرِ ابي، وان لا اجد احدا يدافع عني، كما فعلت احلام في الجامعة. وكنت، دائما، اعزل امام نظرات الحقد وصفعات السخرية.. وكنت ضعيفا امام ابي، خائفا من مجهول خام في خلاء اغبش
ينتظرني، إن عصيت إرادته..!
قد لاتعرف احلام اني اود ان ابوح لها بكل شيء. أن اجعلها سماءا انشر عليها غسيل صدري، انا الذي بلا سماء.! لكن أنى لقناع ان يبوح..!؟ لا استطيع ان أسرّ لها بان ربطة العنق، التي يلزمني ابي بارتدائها، تجعلني اشعر اني مجرد حمار، مرضي عليه، يزين عنقه رسن مرفه.! وان مجالسه بين علية القوم، التي يجبرني على حضورها، تجعلني اشعر وكأني بين احضان اصقاع القطب الشمالي القاسية، وسط ريح تأمر كل حركة بالتجمد..!
لا استطيع ان اخبرها، اني احترق كرها وحنقا.. وعجزا، لما ياخذني ابي، او بالاصح لما آخذه في السيارة، خلال جولاته التي لاتنتهي، لتفقد سير مقاولاته، وحساباته. أُركِبه السيارة، وانزله منها، أُجلِسه على الكرسي، وانهضه عنه. واسند خطواته البطيئة، التي تنوء تحت ثقل بطن كبير من جثة ضخمة، لم تعد قادرة على التحرك اعتمادا على ذاتها.! صار، مع تقدمه في العمر، عبئا على نفسه.. وعلي، هو الذي ابتلع بشراهة زائدة كل شيء : أشهى الاكلات، واضخم الارصدة، وكثيرا من التعساء الذين صبت مساربهم في طريقه.؟ إنه يعذبني باصراره العنيد، الاحمق، على الظهور بنفس الصورة القوية، المسيطرة، الحاسمة، رغم ان عمره، وجثته الضخمة ببطن كبير، لايتيحون له ذلك.! إنه لايتمتع بصحة جيدة، وإنما يستطيع اقتناء صحة جيدة.إقتناء ايام ٱضافية لعمر اوشك ان ينضب.؟
بودي ان احكي لاحلام عن عذابي، تحت اكوام ارقام حساباته، التي يحرص دائما على مراجعتها بنفسه، اعتمادا علي.. ويرهقني إذ ابذل مجهودا مضاعفا كي يفهم ويستوعب، وحين لايستوعب يغضب علي.! فأرى نفسي مجرد سلم اصم، تمشي على رقاب درجاته الارقام الصاعدة.. ويستعر حقدي، على ابي.. وعلى عجزي..؟ إنه يريدني ان اصير نسخة عنه، تجسد خشوعه في محراب إِله المال. وحين يخيب ظنه، يغضب بشدة، ويزيد من الضغط.. والاغراء..!
ولهذا بامكان احلام ان تخمن ردة فعله، لو اكتشف امري مختبئا خلف قناع من شارب كثيف ولحية وقبعة واطئة، ارتدي اسمالا كباقي ابناء الشعب، وألوذ بمقاهيهم، انتعش باصواتهم ودخانهم، وتتفتق روحي بحرارتهم.! لو اكتشف اني اكره ربطة العنق، ولا ارتاح إلا حين اخلعها كما ينخلع قيد.! واني امقت مجالسه المبجلة، وافضل عليها مقاه تعبق باللغط والدخان. واني احتقر كل امواله، واملاكه، وسياراته، وكل الذيول الذليلة، العبيطة، التي تبصبص حول ظله الوارف..؟
وهل بامكان احلام ان تخمن اني، وبعد ان رأيتها كما ولو من خلف القضبان، قررت ان امزق القناع، وربطة العنق، وان اسلم المفاتيح، وامضي الى خلاء مجهول ارسم فيه طريقي، بخطواتي الحثيثة، واحيد، الى الابد، عن كل طريق رُسِمَ لي، وأُريدَ لي ان اسير عليه.؟ لهذا ذهبت رأسا الى ابي، سلمته المفاتيح، ونفضت جيوبي من اوراقه المالية، وقلت :
– لا اريد اوراقا لاتحتمل لمسة لقطرة ندى..!
ومضيت…؟

السابق
هذيان وادي عبقر
التالي
فصامٌ

اترك تعليقاً

*