قراءات

قراءة تحليلية في نص “نآكل”

للكاتبة ريتا الحكيم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

لفت نظري العنوان ” تآكل ” شدني بصفته عتبة النص التي يدلف منها المتلقي إلى زواريبه وأزقته.. هذا التآكل الذي وضعته الكاتبة بكلمة نكرة، مما يدل على أن التآكل يأتي من ذات الشيء أي من داخله.
بدأت الكاتبة نصها بإلقاء بؤرة توضيحية على طبيعة التآكل، فالبطل وهو كاتب أو أديب أو ربما صحفي وفي نفس الوقت هو الراوي، أمضى نصف عمره في الكتابة وتخزينها على الرفوف والنصف الآخر أمضاه في تصفح ما كتب وقد اصفرت أوراقه بعامل الزمن والتهميش.
أصابته حساسية من نوع فريد نتيجة هسس الكلمات في أوراقه وتخيل حشرات لا ترى بالعين المجردة، تعبث بها، فكانت الحكة في فكره قبل جسده وتواصلت الكاتبة في توضيح الصورة في لب الكاتب البائس في حياته، يلاحق حشرة غير مرئية وهي تهرب من أصابع يديه، نجد الكاتبة كناية عن تصارع الأفكار وتهسهس الخيال في كتابات مضى عليها زمن استعانت بأصابع اليدين ليتضح مدى الضجيج الفكري الذي يسيطر على البطل.
أشارت الكاتبة إلى البطل بأنه شخصية ذات مكانة في المجتمع ولموقف ما لم توضحه، أضرب عن الكلام نتيجة كلمة حق معتفلة في حلقومه، فلم يتمكن من التصريح بها إما خوفاً أو جبنناً في تكوين شخصيته، لذا آثر الصمت وصم أذنيه عن السمع حتى لا يتورط في ما لا يحمد عقباه، وهذا إشارة واضحة من الكاتبة المبدعة إلى حرية الرأي المسلوبة من المواطن في المجتمعات السلطوية.
تستمر العسعسة في عقل وفكر البطل وهو يرى الحركة الدائبة للحشرات التي لم ترى بالعين المجردة في فؤاده وخياله، فتلك الرسالة التي كتبها إلى حبيبة تخيلها ولم يجدها، كم تمناها، وبفوضى وضجيج أفكاره ، تفاجأ بالحشرة تمحو الكلمات، فسحقها بكل قوته، لأنه ما يزال يعيش مع حبيبته الوهمية والتي تمناها ولم يدركها، ثم شعر بالندم لسحقه الومضة الحشرية التي تسري في شراين أفكاره، لاستمراره التحليق في عالم أحلامه وأوهامه، وقد أوضحت الكاتبة الدافع لهذا الندم، فقد شعر بأن الحشرة الساكنة في دماغه تريد توجيه رسالة له ليبتلع أحلامه وأوهامه حتى لو أصيب بالتخمة، ويتدلى فكره كما كرش صديق طفولته، الذي وضع فكره وعقله جانباً واهتم بحياته وملذاته حتى تكرش وتضخم، تخيل أن هذه الحشرة التي تسري في شعيرات دماغه تريده أن يبتلع كل أحلامه وأوهامه ويندمج في حياته العادية حتى لو أصيب بالتخمة، أي يلتهم ذاته التي استوطنت أوراقه فتزداد عاهاته التي يعيش بها مع أحلامه وحياته المضطربة، بعاهة التخمة، وهي عاهة اللامبالاة التي يرفضها رغم إصابته الطوعية بعاهتي الخرس والطرش.. تؤكد الكاتبة ذلك بالحبكة الرائعة ” تصفحت باقي الأوراق خالية إلا من حنجرة مهشمة تقطر دماً “.
وهي حبكة مروعة وصادمة لكل من يتجرأ على الحديث بصراحة.
كل التحية للكاتبة المبدعة ريتا الحكيم وأتمنى أن أكون قد وفقت في سبر غور نصها الرائع.

السابق
جدلية الحضور والغياب في القصة القصيرة “ترنيمة الغائب”
التالي
العرجون

اترك تعليقاً

*