القصة القصيرة

تائه في مدينة الاسمنت ..

الذي يحيا يكسب الحياة…والذي يموت يكسب الموت…!الحياة فاتنة، صعبة المنال..مغرية …متقلبة … وخداعة… ومع ذلك فهي نسيج جميل..يتهافت عليها كل الناس.!
تمددت بجانبها على سرير مهترئ كجثة هامدة …أسندت خدي الأيمن على راحتي.. والفضاء القاتم يبتلعني… فسبحت بمخيلتي إلى أبعد حد في التفكير علني أتخلص من وطأة أحداث الماضي البالي . وأخطط لحياة جديدة….. ولكن ظلمة حالكة لا فجر لها حالت دون تحقيق ذلك..اعتصرت ذاكرتي .. فعرفت أن السعادة صخرة صلبة يصعب اعتقالها. فهي تتدحرج ولا تستقر في مكان…والناس يحاولون سرقتها من الزمن بدون جدوى ..وأنا لم أعرف كيف أسرق نزرا قليلا من السعادة مع هذه الزوجة الماكرة.. مضى الثلث الأول من الليل..ولم يغمض لي جفن أبدا ..ولم أكتحل بالنوم نهائيا ..
كانت بنت قدور العزوزي تنام بجانبي ..وتعجبت لهدوئها المفاجئ ..سرقت نظرة سريعة إلى وجهها ..فإذا بعينيها تقرأ سقف البيت على مهل ..وفجأة سوّت قعدتها ونظرت إليّ في خبث وبدون مقدمة ، وصاحت في وجهي كمن مسها سعار الكلاب الضالة :
ـ اخرج عليّ ..فأنت رجل لا تصلح لشيء ..كرهتك.. وكرهت الفضاء الذي تتنفس فيه.. لقد انتهى الطريق بيننا قبل نهايته ..هيا اخرج ..لا أريد أن أرى وجهك ..؟ استجمعت قوتي ..وحاولت أن….؟ لكني تذكرت القولة المشهورة : الرجال لا يرفعون أيديهم على النساء. وشعار :”لا للعنف ضد النساء” قد ثقب أذني كل صباح ومساء .. !؟
كان الزمن يعبر أركان بيتي بمقدار دون أن يبالي بأحد . والفضاء يتقزز من شدة هول المصيبة التي نزلت على رأسي ..؟ كرهت الفضاء…وخرجت من المنزل أسرق النور من عواميد الكهرباء … وشفاهي تنفتح بصعوبة..وتخرج صهدا حارا ..حاولت أن أكفكف دموعي ولكن بدون فائدة… خرجت والأضواء تعصر أنوارها بصعوبة.. وهي تختنق تحت ضباب أبيض بعدما قد كون عالمه المجهول… وهو يواصل رحلته على طول الشارع.. والرياح تنازعه في المكان…
تهت في الشارع الطويل.. والخوف يدفعني للبحث عن حماية.فسمعت أصواتا تتصاعد بين عجائز الأشجار…وهي تأتي بدون دموع… قلت : من يغني هناك بهذه الأصوات الحزينة..؟
بدا لي أن الليل أصبح مريضا. والبرد القارس يلسع الجنوب… أحسست أن الحياة تتكسر بين يدي … فتقلصت سعة شراييني.. وجمد النسغ في عروقي.. ورفضت عظامي الانصياع. فلم تطاوعني على التحرك.. فعرفت أن الليل قد يتباطأ أو لا ينوي الرحيل.
بدأت أمد حبلا طويلا من الأنات.أصيح وأصيح.الصوت يتمدد ويطول. أحاول أن أسرع… ما تمنيته هو أن أكون بين الصوت والصدى…عسى أن يحملني إلى أبعد نقطة في الكون…؟ لكن عويل الآخرين يعبر الحارة.. وكان الأقوى. سكنت الأصوات أذني، وطالت في الامتداد ..وكادت أن تربط الدجى بالصباح. آنذاك ضغطت على الكلمات ، وفتشت عنها في تجاويف ذاكرتي، فأدركت أنها نفدت قبل الأوان . وتأكدت أن مدينة الإسمنت لا توفر القوت لكل الناس…؟
سرت في الشارع تائها بدون هدف. و الليل ينشر ظلامه الدامس على الحارة. فانتشرت الخلائق الغرثى في النقط المظلمة. والشتائم تؤرق عظام الأموات. كدت أرقص من شدة الحزن وأنا أتفرج على خلائق منبوذة ومجهولة لذى كثيرمن الناس.
ـ من ذاك الرجل ؟ومن تلك المرأة ؟ومن هم هؤلاء ؟ كلهم أبناء الحي أعرفهم. ليسوا بغرباء عني.. !
كنت أدك الأرض معهم بنعل مثقوب…قد أسقط على الأرض الإسفلتية ولا أقف من جديد…بحثت عن فائض الجيب: أنادي…أستغيث…أتوسل إلى السماء. .أمد يدي والحسرة تنهشني من
الداخل…والموت يجس أعضاء جسمي على مهل. ويتجسس على روحي…وسعال حاد يتمرغ في حنجرتي يأبى أن يخرج من تلقاء نفسه …آنذاك سالت سخرية حمقاء على شفتي.. وغلبتني ضحكة عميقة كنت مشتاقا إليها …؟
كلمات زوجتي العوجاء تسكن أذني. لا زلت أذكرها جيدا.. بوقاحة قالت: اخرج عليّ ..فأنت رجل لا تصلح لشيء ؟ قلت في نفسي :هذا ما نزلت به مدونة الأسرة على رؤوس الرجال. في بداية الأمر
صفق لها الجميع ولكنهم ند موا من جديد ..؟
أصبحت كالخفاش الذي يبحث عن دفء الظلمة…أخطو في العتمة… أبحث عن نور أهتدي به .. عادة ما تنام الخفافيش مقلوبة تبحث عن الأمان…وخفافيش عصرنا أصبحت فائضة وغير آمنة … تزرع همهمات الأحاسيس الحزينة بين جدران قلوب الناس . يقص الزمن حوادثها المؤلمة ببراعة على أرقام بشرية مجهولة …؟
حاولت أن أمد يدي للخلائق البشرية مع أنني لست نهّابا…ولا قاطع طريق… ما يوجد لدي سوى وديان الكلمات تتلجلج في فمي . وما أحسب أن سيزيف يدحرج الصخرة في الحياة والممات.. ! وأنا لا أختلف عنه .
كدت أمد يدي…وجمرة العار تلهب أضلاعي… فتأكدت أن وسخ الجيب صعب المنال… وفائض المحافظ الجلدية غير متاح لكل فرد مقهور …
رمت الأزقة البالية…قمامات الأزبال سخية ومتاحة في ليل يسعل برده القارس… كان الفضاء رجلا سخيّا…يمنح العيش للكل ولكنه لا يستجيب للكل.. فائض الخبزكانت تأخذه العجوز كل صباح من بيتنا. تجففه فوق السطح. ويعاد أكله من جديد. اشتقت إليه الآن..
الأغنياء يمسحون أطراف أصابعهم باللباب من المرق الداسم… والفقراء يستنجدون بالقمر الساطع.وقد يتراءى لهم خبزة مدورة..وفطيرا لذيذا..ولا يجدون ما يشربون. فينتظرون صنابير الأمطار من السماء .
مدينة الاسمنت بدون قلب…جاء المطر فغسل الوجوه مرة أخرى …ودغدغ الأرض الملساء بدون جدوى… كان الماء يبحث عن طريقه…يجدها…يواصل الرحلة بدون مشقة…وأنا بوصلة حياتي تعطلت..؟ تنتظر الزمن أن يعد أداوته لإصلاحها.
عيون حاقدة…وباكية بدون دموع…خلائق منبوذة تتستر بالسماء…وتفترش التراب…؟ سخر الزمان مني … وأحسست أن الوقت يتفتت بين أناملي على مهل بصعوبة…!
ـ كان عمي جعوان يتكوم على الورق المقوى. والوسخ الأسود يقبض على رقبته. وفرجات أصابع رجليه تفور قيحا ودما… فهو لا يختلف عن جثة بالية تفرغها الديدان من نسغها الدموي بنهم كبير . وهو لا يدري أن الموت يحوم من حوله…!
كدت أن… ولكن ما جدوى الصياح…!
أمضغ قلبي. وأقمع الأنات . وفمي ينفث ريحا باردا عسى أن تنطفئ حرقة الحاضر.. هناك..؟ في الجانب الآ خر للشارع ، رمقت امرأة تجر وشاحها وهي تقترب من عمود كهربائي، نوره يكاد يضيء نفسه. تصارع البرد بلحافها المثقوب…والتجاعيد في وجهها ترتق الجلد الشاحب…لعابها يسيل ويتدفق من فمها.والدرن الخبيث يأبى أن يستقر في جوفها… !
أصبح الشارع مسكنا للأموات.. ! وجاءت الأمطار رمادية مرة أخرى …والرياح تدغدغ الأوراق الفائضة عن الأشجارمعلنة حربا على الأغصان الطرية..
عنف الدموع يشوي الخدين.. ! كنت أسير في جنائز مختلفة.. ذوات آدمية تنتحر تدريجيا أمامي . فهي رخيصة.. وقد تباع إلى معامل التجارب ليستفيد الطب الحديث من أعضائها … نسغ السماء ينهمر…وينهمر…فرقصت دون أن أرغب في الرقص..من ثقب الدرب الضيق. أرمق الدم والجريمة..جريمة العصر..الإنسانية تحتضر.. ولم يعد لدي شك أن العدل سُرقت منه الكفة الثانية ، والرشوة ترقد بين الكفة الأخرى …؟
صوت تصاعد وتعالى كرياح شهر فبراير…بين الورق المقوى.. عمي أبو قنار يبني جسرا من الأحلام. لكنها لم تطل . فتنهدم أحلامه حلما حلما..وتسقط في عمق دماغه .. فتنام نفسه في النسيان اللذيذ..
حاولت أن أفتش تجاويف ذاكرتي أكثر فأكثر. فنشطت عصارة من الانتقام بلغت أوجها في جسمي فقلت : أنت لا تعرفين.. ! ولا تدركين؟ يا بنت العزوزي.. غداً سوف يؤدبك الزمن مثل هاته الأرقام البشرية ..؟
لا أحد يعرف.. الغرثي.. ! الجياع… !هم… !؟ هم الذين يحسون بأنفسهم .. !؟
أحسست أن الطل سوف لا يتقاطر من قلوب الناس…بعدما استمر الضباب يحجب الوجدان.. وتيقنت أن الرحمة باتت لا توقظ النطف الجميلة في الإنسان. ما أدركته أن هناك أظافر يابسة وفاسدة تخرب البلاد.. وتنتشي بوسخ الدنيا..وتكدس الثروات .. وتتلذذ عندما ترى الناس تتمرغ في ملح الدموع.. وتفترش الأرض الحصباء، وتتلحف بالسماء الزرقاء ..وفي هذه الحالة تكون الطبيعة غير عادلة ..؟
نسيت همومي .وتلهيت بهموم الأخرين. فأحسست بظمإ الملح يمزق حنجرتي وبقيت أشرب الحقد بخلايا فؤادي الذابلة.. كفى…؟ سلطات الليل تعرف .لكنها تتجاهل عنوة مآسي الخلائق البشرية… !
من أنا..؟ ما أنا إلا رقم مهموم وحزين.. ! وما هذه الخلائق البشرية إلا أرقام أصابها الإتلاف .. تلهوج الكلام الحزين في هذا الليل البهيم.. فيرتدُّ الكلام كصدى قاتل بين الجدران. ويتماوج الصدى بين الأزقة والدروب بشكل فضفاض . ويتحول إلى عصارة تشربه أعصابي دفعة واحدة ، فيتلألأ الدمع قهرا بين أجفاني..!
من الغرابة ..؟ أن الحب لم يوضح الخطأ والصواب في مجال الحياة.. فبقيت مترددا بينهما .. فأنا لم أختر بنت قدور العزوزي .. لقد اشتراها لي أبي بحفينات من القمح والشعير..وقالبين من سكر ..وعجل أدبس..وقلت :” ربما تكون مصدر سعادتي” فخاب أملي ..
الحياة شبيهة بامرأة جميلة يتهافت عليها الناس بشراهة ..لكنها توزع عليهم أقراص السعادة بالتقسيط وبصعوبة.. وتوزع عليهم الحزن بالمجان وبسهولة.. تارة تمنح الدفء.وتارة تمنح البرودة والقسوة . وقد تصنع لهم حبا مزيفا .. وترفع إلى النجوم.. وتسقط في الهاوية ..؟
كلمات زوجتي الخمجاء تسكن دماغي كأقراص فات وقت استعمالها .. وكلما خطوت تأخذني رعشة أنات جارحة للفؤاد..ومن هنا أدركت أن الحياة علمتني أن أكون حذرا من الأشياء و الأجسام.. و الجدران..؟
سكنت الرياح .ونفضت الآشجار أوراقها.وهمدت الطبيعة.. وتخلت عن معركتها ضد إنسانية مقهورة… !
تفتت الوقت بين أناملي..فسمعت أصوات كراسي المقاهي تغزو الفضاء .والكؤوس الزجاجية تداعبها أنوار الصباح على مهل.. معلنة عن نهار جديد سوف يكتسح الحارة..كلما تذكرت بنت قدور العزوزي .. مرارة العلقم تفوح من فؤادي ..فأتمنى أن أكون نقاشا ماهرا وأعيد صياغة العالم.. حجرا…حجرا…جبلا…جبلا..وهي غائبة عنه نهائيا ..!
مر الزمن بجواده ولا يبالي. خاب أملي لما تعلقت بأهداب مسلولة من سرج جواد مندحر..والكلمات الجوفاء تسكن فؤادي..تتراكم..تتزاحم..وتتفاعل على فم مسدود..فتحولت إلى نغم جريح..وأناشيد حزينة تندفع تباعا..فتخرج شعرا مجروحا..منكوب الحروف. مختل الوزن..وغير منسجم القافية.. !
وقفت أمام المقهى ، والخلائق البشرية تتفرج عليّ دون أن يعرفوا ما حدث لي بالأمس..وبدأت أصرخ بدون وعي قائلا : لو أني ـ لا قدر الله ـ سقطت على الأرض. وسرت عاريا بين الدروب بلا حياء..لا تأخذكم الشفقة في الضحك..بأعلى الأصوات قولوا: ” لقد مسه الجنون.. والجنون في بعض الأحيان دواء … “.

قاص من المغرب

السابق
مفاجآت
التالي
البوصلة

اترك تعليقاً

*