مقالات

” تاعلّيت “

الترجمة حاجة أساسية ودائمة فالبشر يحتاجون إلى التواصل، والتفاهم لتستقيم حياتهم، والترجمة هي أداة هذا التواصل والتفاهم.‏ تعتبر الترجمة حلقة وصل بين الحضارات . والترجمة قديمة قدم الكلام والكتابة . ومنذ القدم ثمة اتجاهان بشأن الترجمة : واحد ينادي بالإخلاص للنص الأصل, والثاني يدعو إلى بعض الحرية في التعامل مع النص في اللغة التي يترجم إليها …‏
الترجمة هي إبداع نص من نص, المترجم سيستجيب فيها إلى مقدرته الحرفية ومعرفته باللغات وروح الإبداع فيها فهو حر ولكن بالوقت نفسه هذه الحرية مقيدة بالنص الأصلي يتجاوزه إلى إبداع نصٍ موازٍ إذا صح التعبير.‏فالترجمة هي جسر حضاري ما بين الثقافات رغم المآخذ التي احتسبت عليها لا سيما في مجال إبداع الشعر وغيره من الأجناس الأدبية.‏
ومع أن هناك من أطلق المأثورة الشهيرة: ” الترجمة خيانة للنص الأصلي ” ، ولكن في ترجمة الإبداع الأدبي يجوز الخيانة لأن تقيدنا بالحرفية يفقد الترجمة وظيفتها الإبداعية.
الترجمة هي عملية فـن وممارسة. تتطلب الدخول بعمق في النص المترجم منه، واستيعابه في لغته وثقافته ثم الدخول في النص المترجم، ونقله بروح الثقافة المنقول إليها ولغتها، ضفْ إلى ذلك أن ترجمة النصوص الإبداعية تتطلب من المترجم أن يكون ذا حسٍّ عالٍ من حيث التذوق اللغوي، مع إجادة تامة في توظيف هذا التذوق في عملية الترجمة، وقد يقرب إبداعيّا من صاحب(ة) النص، وقد يتماهيان في إعادة كتابة النص من اللغة الأصلية إلى اللغة المترجم لها.
الأستاذ ميهي عبد القادر المترجم القدير الذي صدرت له هذه الأيام مجموعة قصصية هي أصلاً للكاتبة الرحّالة إيزابيل إبراهاردت، ينطبق عليه القول السابق بحيث أظهر مقدرة فائقة في هذه الترجمة، وأبدع فيها بحيث أن القارئ لا يدري أهو يقرأ للكاتبة إيزابيل، أم يقرأ للأستاذ ميهي عبد القادر، أم لكليْهما.
صدرت المجموعة القصصية التي تحمل عنوان ” تاعلّيت ” عن مؤسسة ( مزوار) للطبع بالوادي، وبتكفّل تام من الرابطة الولائية للفكر والإبداع بالوادي، ودار الثقافة محمد الأمين العمودي..مجموعة من الحجم التوسط، صفحاتها:143 صفحة، طباعة جيّدة، وغلافٌ معبّرٌ عن مضامين المجموعة من إبداع الفنان التشكيلي المعروف سواسي محمد البشير..غلافٌ يغلب عليه السواد، سواد حيوات شخصيات هذه القصص.
المجموعة بعد المقدمة التي كتبها بشير خلف، وقراءة لقصة ” تاعليت ” للأديب المبدع الشاعر بشير ونيسي تتكوّن من 12 نصّا سرديا قصصيا تحت عناوين:
قصة العسكري، ياسمينة، راخيل، النقيب، تحت النير، تاسعديت، بورتري أولاد جلال، تاعليت، زهور وياسمينة، بكاء شجر اللوز، حداد الخطيبة، مريامة.

قصص أبدعت فيها الرحالة إيزابيل إبراهاردت الروسية الأصل، وكتبتها باللغة الفرنسية التي قدمت إلى الجزائر أواخر القرن التاسع عشر، وتحولت إلى الوادي أين استقرّت فيه سبعة أشهر..قصص أبدع في ترجمتها الأستاذ القدير ميهي عبد القادر.
يقول مقدّمُ المجموعة بشير خلف:
« عندما أتمـمْتُ قراءتي الثانية لهذه المجموعة القصصية التي عنْونها مترجمُها الصديق الحاج ميهي عبد القادر بـ: ” تاعليت ” وهو عنوان إحدى قصص المجموعة، أحسسْـتُ بمتعةٍ كبيرةٍ، لأني كمتلقٍّ شغَـف بالقصة القصيرة منذ أمد بعيد،ٍ بل وأبدع فيها، حيث في هذه المجموعة عايشت شخصياتها، ورصدتُ تحركاتهن في الفضاءات التي كنّ يتحرّكن فيها، والمصير المأسوي الذي أغلبهنّ آليْن إليه في أواخر حياتهنّ، وكأن الكاتبة المبدعة إيزابيل إبراهاردت تريد من المتلقّي أن يتماهى مع هذه الشخصيات المسحوقة من المهد إلى اللحد.
إنها خلاصة الأحاسيس، والمشاعر الإنسانية التي يشعر بها كلّ قارئ لهذا العمل الفنّي السردي الموسوم بثنائيات متلازمة في كل نصوص المجموعة..ثنائيات تتراوح بين الحكمة والجنون، النجاح والفشل، اللذة والألم، الوصال والهجْر، التفاؤل والتشاؤم، الإيجابي والسلبي، الوقوف والسقوط، الضحك والبكاء، الصفح والانتقام. ثنائيات أرادتها الكاتبة إيزابيل أن تتكرّر هنا وهناك لتعرية واقعٍ بئيس يصهره السوادُ أكثر من البياض لفتياتٍ في ريعان الشباب، ونساء رمانهنّ المجتمع المتخلف بسهامه، صراعٌ أبديٌّ بين الحياة والموت، بين شراسة المرض، وهزال الصحة.
في هذه الثنائيات رغْـم بشاعتها، فقد أبدعت الكاتبة في تحريك هذه الشخصيات المسحوقة على ركّح حياةٍ يسود فيها الثالوثُ الخطيرُ من فقرٍ، وتخلف شامل،ومرضٍ. ضفْ إلى ذلك ظلم المستعمر. على هذا الركّح الذي يغلب عليه الجمود والرتابة، تتحرّك هؤلاء الفتيات، وتلكم النسوة المسحوقات لإثبات الأنا المتأرجحة بين تياريْن متعارضيْن هما: التستّر والعلن، البوح والتعرّي، التحدّي والخوف، الجرأة والجبْن.
لا يختلف الأمر في هذه ” الأنا المتأرجحة ” بين مليكة في قصة العسكري، وياسمينة في قصة ياسمينة نفسها، وراخيل في القصة الموالية، أو امباركة في قصة النقيب، وتاسعديت في قصة تحت النير أو عاشورة في قصة بورتريه أولاد نايل، وتاعليت، وسعدية وحبيبة في قصة بكاء شجر اللوز..
السمة الغالبة على بطلات هذه القصص أنهن فتيات شريفات الأصل، من منبتٍ طيّب أصلاً، لكن أغلبهن مسحوقات ويحيط بهن الثالوث الخطير من البداية، تتلقفهنّ الحياة بشراسة، ولا يجدْن اليد الرحيمة لإنقاذهنّ فيهويْـن في مراتع الرذيلة أثناء مرحلة الشباب والأنوثة الحقّة، ثم ينقضُّ عليهن المرض دون شفقة، فيهجُـرهنّ منْ كنّ محظياتٍ لهم.
كلّ قصص المجموعة لا تخلو من جرْحٍ وألمٍ، ولكنه عند المبدعة إيزابيل ألمٌ إنسانيٌّ بقدْر بشاعة سلوك مرتكبه، أو مرتكبته في هذه النصوص وإدانتنا له؛ إلاّ أن هذا الألم إنْ لمْ نتماهَ معه فإننا نقترب منه اقترابا حميميّا، ونتحالف معه كأنه صديقٌ عزيزٌ عندنا، نتمنّى لجرحه الشفاء والعافية لصاحبه. إن الكاتبة تحملك من خلال سرْدها الفنّي المنساب الرقراق، وأسلوبها الجميل السّلس على احترام هذه النماذج الإنسانية، لا الإشفاق عليها.
إن ترجمة هذه المجموعة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية من قبل الأستاذ المبدع ميهي عبد القادر جعلتني في كثير من الأحيان أتصوّر نفسي لا أقرأ للكاتبة الأصلية، فقد يتماهى لديّ أحيانا المترجم والكاتبة؛ فالترجمة الأدبية هي من أصعب أنواع الترجمات إذْ تعتمد بصورة كبيرة على التذوق، ودخول خيال الكاتب سواء كان شاعراً، أو قاصا، أو روائيا, ممّا يتطلّب من المترجم الفهم العميق للنص أولا، أي استشراف الاستبطان الذي يحتويه النص، لأن النص الإبداعيَّ ذو إشكالية في جوهره، وترجمتهُ ترجمةً موفقة يتطلب أولا الكشف عن أسلوبياته، وجمالياته. وهو أمرٌ يتطلب صبرا كما يتطلب القدرة على إتقانٍ وتحكّمٍ كبيريْن في اللغتيْن يُعينان المترجم على سبْـر أغوار النص المتوارية.»
الأديب الشاعر بشير ونيسي كانت له قراءة جمالية تشكيلية لقصة ” تاعليت ” التي تحمل عنوان المجموعة أطلق على هذه القراءة: ” لغة الجسد والروح..قراءة في تاعليت ” يقول:
« …والمترجم أراد من هذه الترجمة شيئيْن إثنيْن: الأول بيان صورة الإنسان في الجزائر زمن الاستعمار، ومعاناته من أجل الحرية، والشيء الثاني بيان طبيعة المكان إيكولوجيا، وأنتروبولوجيا، وميثيولوجيا، وسوسيولوجيا، وسيكولوجيا.أراد المترجم من هذا العمل أن يقيم مشروعا متكاملا لترجمة كل مؤلفات الكاتبة، بعد أن غامر في ” عودة العاشق المنفي ” هاهو يخوض البحر من جديد في ” تاعليت”
في البدء حكاية عن الجسد، وصراعه مع الوجود، حكاية عن المكان وسرّه، وسحره.هي شهر زاد تبعث الحكاية بالتكرار الأبدي لتثبت سلطة الأنوثة وتحفر في الحياة كينونتها..تاعليت سرْدُ الجسد، وحدثُ المكان، وشبقُ الروح، وذكريات الصبابة والشجن..تاعليت أنثى بهيئة المطر الرذاذ، القمر الشهي، إنه البوح بالحب والخلاص، ومعنى الأشياء، والزمن الضائع، والحرية الحلوة.
هذا السرد بسحره، ووحيه ألْهم إيزابيل إبراهاردت أن تنقل لنا أحاسيسها، وتجلّياتها، ومعاناتها عبْر قصص قصيرٍ يومئ بجرْحٍ عميقٍ، ونزعة إنسانية، وقيمٍ جماليةٍ، وحبٍّ وذكرياتٍ، وحكايات من جنوب الروح، وشرْق الجسد.»

نُورد بعض المقاطع من قصص هذه المجموعة:
« … … تصعد الشمس الحمراء ببطْءٍ خلْف الجبال التي يغمرها ضبابٌ خفيفٌ. يمرّ وميضٌ أحمرُ أمام الأشياء كأنه حجابٌ من الحياء. أشعّة الشمس الوليدة تنـثر تيجانًا على قمم النخيل لتبدوَ قبابُ أضرحة الأولياء الفضّية، وكأنها من الذهب الخالص…» ( من قصة بكاء شجر اللوز)

« …في تونس وبالقرب من جامع الزيتونة العتيق، تحت الأقواس التي يملؤها ظلٌّ خفيفٌ أزرقُ أين ترمي فتحاتٌ متباعدةٌ فجأة أشعّةَ الشمس الدقيقة الناصعة، هناك حيٌّ مميّزٌ أين يخيّم الصمتُ في حياءٍ ، كأنّ جوار المسجد الذي يضاهي حجمُه مدينة صغيرة، يطغى على المكان.» ( من قصة العسكري)

« … كثبان بلا لونٍ، متراكمة، متراصّةٌ، متموّجةٌ تتغيّر مَسَحَـاتُها كل ساعة، تكابد جميع تغيّرات النور، لكنها جامدةٌ وكأنها نائمة على حلمٍ أبديٍّ، تحتضن القصْر العديم اللون الذي تُواصل قبابُه المتعذّرة الحصرَ إرغاءها اللامتناهي…»( من قصة النقيب)

« … بوسعادة الملكة الشقراء التي تكسوها حدائقُها الظليلة، وتحرسها هضابُها البنفسجية، تنام في شهوانية على ضفاف الواد، أين يُسمع خرير الماء وهو يجري على الأحجار البيضاء والوردية، وهي تنحني كأنها في حُلـمٍ لا مبالية على الجدران الترابية المنخفضة. تذرف أشجار اللوز دموعها البيضاء تحت لمسات الريح اللطيفة، يغمر أريجَها الزكيَّ دفُْ الهواء المرخي، كأنه ذكرى حـزْنٍ عذْبٍ.» ( من قصة بكاء شجر اللوز)

من هي إيزابيل إبراهاردت؟
• هي كاتبة رحّالة من أصلٍ روسيٍ ولدت سنة 1877 في سويسرا من أمٍّ روسية تُدعى ناتالي إبراهاردت حرم موردر، وأبٍ مجهولٍ بالقرب من جنيف.
• قدمت أول مرة إلى الجزائر سنة 1897 واستقرّت مع والدتها في عنابة.
• وفي سنة 1899 عادت إلى الجزائر، ورأت لأول مرة وادي سوف، فأُعجبت به وكتبت عنه خاطرة أسمتها ” المغرب ”
• وفي سنة 1900 أقامت هذه الكاتبة الرحالة مدة سبعة أشهر بوادي سوف قبل أن تُطرد من قِبل السلطات الفرنسية بتهمة إثارة الشغب، بعد محاولة اغتيالها بمنطقة ” البهيمة ” خارج مدينة الوادي.
• تعرّفت الكاتبة على سليمان هنّي، وهو عسكري من الأهالي، وتزوّجته. اعتنقت الدين الإسلاميّ على يد أحد شيوخ الزوايا، واتّبعت الطريقة القادرية.
• أحبّت الكاتبة الجزائر، وكتبت عن معاناة أهلها من تعسّف الاستعمار الفرنسي الشيء الذي سبّب لها كثيرا من المتاعب.
• تُوفّيت هذه الكاتبة الرحّالة سنة 1904 إثر فيضان واد عين الصفراء بالجنوب الغربي الجزائري.

السابق
الجمالية المكانية في السّرد القصصي لدى الأديبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت
التالي
قراءة في مجموعة “حائط رحمونة” وسحر السرد

اترك تعليقاً

*