القصة القصيرة جدا

تحت المبضع

” فبخلتَ يومًا بالسكن واليوم تبخلُ بالكفن … ماذا أصابك يا وطن؟!”
سكنتني كلمات فاروق جويدة، يدندن بها قلبي قبل اللسان، بلا وعي وتعلق علامة استفهامها في حنجرتي، حائرة بغير جواب، لأعود حسيرًا من أول السطر.
أخيرًا واتتني الفرصة التي انتظرتها طويلًا .. شغلتني عنها هموم وواجبات العمل والأسرة يملؤني شعور مارد تحرر من القمقم بعد أسر آلاف السنين، كل ساعة من عمري الستيني بمثابة عام كامل، كل يوم مر علي كان مشحونًا بملايين الصور، والكلمات، كذاكرة حاسوب ضخمة تحوي أشخاصًا وأماكن ومواقف متباينة بحلوها ومرها.
قدر لي أن أعمل في شركات يديرها أطباء أكفاء، طالما عجبت وتساءلت لماذا انسحبت هذه الشريحة المائزة من ممارسة أسمى المهن، لتنخرط في مجالات المقاولات والتشييد والبناء وتنظيم المعارض وغير ذلك، ولمن تركوا الساحة وسلموا الراية؟
في انتظار تخديري لإجراء عملية جراحية، صدمني الجراح الشهير وهو يعلل إصراره على إجراء العملية بعيادته الخاصة بقوله: ” وهل تظن أننا نسمع ما يقول المرضى بالمستشفيات العامة؟ نحن نكشف عليهم بظهورنا! شرفني بعيادتي أخدمك بعينيَّ أما هناك فمن له طاقة للعناية بمئات المرضى في اليوم الواحد؟”
يبدو أنه ظن أنَّ مفعول المخدر سرى في جسدي، فاستأنف متنهدًا ” ثم ما هو المقابل لهذا الجهد الجبار؟ ” بالطبع لم ينتظر إجابتي بل هز رأسه، ومط شفته السفلى احتقارًا. تُهت بعدها في دوامات؛ حالت بيني وبين الفرار من مبضعه الذي لم أحس به، غير أن كلماته كانت كفيلة بشحني بأطنان من الألم.
الآن يمكنني أن أمخر عباب المحيطات، وأحلق في أجواز الفضاء، أغوص في أعماق البحار، أجوب المعمورة من أقصاها لأقصاها، لا يستعصى علىَّ منها شبر على سطح الأرض أو في بطنها، لا تُعيقني حرارة الجوف، ولا نفثات البراكين، ولا أهوال الزلازل. أُبحر مع السندباد، وأنزل مع جول فيرن، وأرحل إلى عالم الديناصورات، وأعود إلى غزو المريخ، أستعرض حضارات سادت ثم بادت.
الآن أمتطي صهوة خيالي، وأحارب الطواحين مع دون كيشوت، وأصارع الأشرار مع الجبار والوطواط والعنكبوت والوميض، وأواسي هيروشيما وناجازاكي، أشهد مصارع فرعون وأبي جهل، وأسر نابليون، وانتحار هتلر، أشد على يد صلاح الدين، وأقبل رأس عمر، وأدوس هامات الخائنين.
اليوم أنفض الغبار عن كتبي، وأميط اللثام عن كنوزها، وأرتشف ريحقها، فلم يعد لي إلا هي وساق فقدتُ أختها في الحرب، أهدوني بدلًا منها وسامًا يذكرني بها.
أفقت على قطرات ساخنة تبلل وجهي، صافحني وجه زوجتي، بعينيها الدامعتين، ليصفعني صوت الطبيب: ” راحة تامة لأسبوعين وغيار يومي … لحقناك في آخر لحظة، الزائدة كانت منفجرة .”

السابق
شيخوخةٌ
التالي
القرار

اترك تعليقاً

*