القصة القصيرة

تحْت القناع حسْناء

رشف من قهوته رشفة أولى،احتفظ بها في فمه للحظة ، حَرَّكَها وَأَدارَها في حَنكه كما يفعلً الذواقون ًقبل أن يحرّرها لتنْزلق عبْر بُلعومه وتستقرّ على فطوره المنزلي،مصْمص وتلمّظ مسْتلذذَا ،عرف من تقلّص حُليمات لسانه أنها “ديبوا ” صِنْفه المفضّل ومضْبوطة كما يحبّها ،امتدت يده إلى الجريدة ،لكنها بقيت معلقة في الهواء، لقد لفت انتباهه متسوّلة لم يرَها هناك من قبل تفرد فرْشتها المهترئة على بقايا كرتون يحمل علامة بيْع حليب أطْفال ،حاول أن يصْرف انتباهه عنْها فلم يسْتطع ،يَصله صوتُها الخافِت المُتذلّل مُسْتدرّا عطف المارّة في تكرار أُسطوانة مشْروخة ،قِلّة منْهم تنْفحها بصدقة صَباحية.. فوجوههم مكفهّرة لا بِشْر بها جلّهم يبْدون كأنّهم لم يكملوا نومهم بعْد ، أو ذاهبون إلى أعمال يودون لو أنهم لا يزاولونها ..وشاحُها الأسود تلمع بقع الأوساخ عليه مُلتقطة ضوْء النهار ،من تحْت خِرقة رأسها تتدلّى خُصل شعْر أشيبَ باهت ،محيّاها يحْمل كل تجاعيد الدّنيا وهمُومها ،وبُروز أسْنانها الأمامية أكْمل الصّورة البئيَسة المُزْرية.

نسيَها في خضمّ ما زخَرت به الجَريدة من أحْداث ومصائِب ومَثالب ،تقْتيل ودمَار وزنَا محارم وتزوير انْتخابات وأشياء أخْرى لا تشجّع على الحياة ولا على القراءة..تساءَل للمرّة الألف لِمَ يكّلف نفسَه وجيْبه عَناء شِرائها ؟..مرّ الى صفْحة الكلمات المُتقاطعة ليخفّف من توثّره، اعْتصر ذهنه علّه يكمل حلّها في زمن قياسيّ كما يفْعل دوْما ،اسْتعصَت عليْه، طواها في عَصبيّة واسْتراح منها ، سيعُود إليها حتْما ،اليوم يوم عُطلته ، ولا أحد ينتظر عوْدته ببْيته البارد الفارغ في هذه المدينة العمْلاقة الملوّثة التي تمتصّ عمرَه وشبابه، زفَر أُكْسيدها وفي صدْره حسْرة على بلْدته الصّغيرة الرّابضة بين أحضَان جبال الأطلس الشّاهقة ،حنّ إلى خُبز أمّه وقهْوتها المعطّرة بالزّعتر الجَبلي الفوّاح ،تذكّر كم كان يُحبّ أن يستلقيَ على ظهْره لعدّ الرّزم المُدلاة من سقْف مَنزلهم الطّيني البَسِيط لتجفّ في مَنأىَ عن أشعّة الشّمس ،يَهيم في ملكوت الله ويحسّ أنه في تمازج مع الطّبيعة وتسامِح مع نفسه ومعَ الخلائق،وليس كما هو عليه الآن محاطٌ بالضجيج وعَوادم العربات، تاقتْ نفسه إلى قصعة ثريد من صُنع يدها الكريمة ،فعَافت نفسُه أكْل المقَاهي الشّعبية المشْكوك في نظافتها.مسَح على وجْهه في مُحاولة يائسَة لإبعاد هذه الذّكريات عن تفكيره، سفَره الذّهني المكّوكي هذا إلى الزمن الجميل يَجعل حيَاته هنا أشدّ وطأة على نفْسه، نادى النّادل لطلبيّة أخرى، لنْ يكُون زبُونا ثقيلاَ يمرّر يومَا كاملا بكأس قهْوة يتيم ، شَعر براحة ضَمير ، مدّ ساقيْه تحت الطّاولة ، أسند ظهْره بحرّية ،وتركَ بصَره يجُوب الشّارع المُقابل، اسْتقرّ على المُتسوّلة مرّة أخْرى ولم يزُغ عنها، ترك الوقْت يمرّ عليْه وحوله دون أن يفكر في إيقافه أو استغلاله ،أسلم له نفسه فحسب ،الحركة في أوجها ، وكأن الشُمس توهّجت في قُلوب المارّة كرمَا حاتميَا وحَلّت عقدة بخلهم، فيدها لا تكف عن إلتقاف الجُود والإعْطاء.يسمع رنينه من حيثُ يراقِب وهي تُسقطه في الصّحيفة النّحاسيّة ..يمر أحد ” الصايعين” في غفلة منها ويغرف منها ، ربما ظنّها ضريرة، لكنها تشبثت برجل بنطاله الربع متر الذي لا يكاد يغطي مؤخرته وجذبته في قوة لم يظنها تكتسبها، نزل السّتر عن سَوءة السّارق وصار محلّ سُخْرية وتندّر المارّين ،أجْبروه تحت اللّطم والرّكل في محل عُريه على إعادة الدّريهات ..ضحك أيضا لما عاد لكوب قهوته فوجده قد امتلأ ذبابا..من ذاك الكاتب يا ترى الذي شبّه الوحْدة والملل بكُوب مليء بالذّباب ؟ بقي يتساءل ويحفر في ما بقيَ يذكره من كتاب قرأ لهم ، نفض يده أخيرا من ذاكرته التي يظهر أنها صَدئت وتآكلها روتين حياة في بلدة لم يخترها ، انتظر كثيرا هذه الوظيفة ولما أتَت طوّحوا به بعيدا عن جذوره.
زال النّهار، وأضيئت الشوارع واكْتظّت بالآوبين لبيُوتهم بعد يوم كدّ ، ومن استيْقظوا للتو من محبّي اللّيل والأوْكار، طَوت المرأة فرشتها وزجّتها في كيس بلاستيكى أسْود ، استجمعت وقفتها بجُهد جهيد ومضتْ..تأبّط جريدَته ، وضَع ما بذمّته على الطاولة واقتفى أثرها ..شيءُ ما لا يعلمُه أيقَظ فضُوله ،ظنّ في بادئ الأمر أنها تلجأ إلى البناية التي دلفت إليها لتبيت في بعض مَكامنها ، لكنّها تسلّقت السلالم ،تبِعها ،توقفت أمام شقّة ، وعلى ضوء ولاّعة أدخلت مفتاحا في خُرْم الباب واختفت .تسمّر في مكانه من شدّة الدّهشة و الاسْتغراب ،شعر بخُوار في جسده ، استند على الدّرابْزين وانتظر يحيطه عطرٌ خلّفته وراءها ليس للمتسولين ولن يكون ، فُتح الباب بعد لحظات ، هلّت طلْعة صبيّة في غاية الأناقة والشّباب في عَجلة من أمرها ،لم يبدُ أنها لاحظت وجوده ،أطفأت نور بيتها، صفقت الباب وراءها ونزلت بخفة وثقة في الظلام ،تَنَسَّمَ عبق نفس العطر الفرنسي الأخّاذ، حدسه لم يخطئ ،توارى خلفَ باب العمارة ،اتّجهت هي صوْب سيّارة فارهة مرْكونة غير بعيد ،امتطتها برشاقة وأنوثة أثارتا إعجابه ،وضعت حقيبتها بجانبها ، وعلى ضوء سقفها ،سوت خصلات شعرها الأسود الفاحم الكثيف بأصابع صُبغت أظافرها بعناية ،صَهلت خُيول عدّة تحْت ضغْط حذائها الإيطالي…وانطلقت.

السابق
إِفصاح
التالي
شيخ

اترك تعليقاً

*