القصة القصيرة

تراتيل العكاز الأخير

سيدتي … أنا صديقه .
قالها بخجل وهو يقف بقامته المتوسطة بمحاذاة الباب الذي فتحته الى النصف ، وأنا أتابع بقايا إبتسامة مزروعة على شفتيه وهو يطلب مني أن أمنحه الساق الصناعية ، أن أعطيه الطرف الصناعي لزوجي الذي أمضى سنوات طويلة وهو يتعكز عليه بعد أن فقد ساقه في الحرب …
قالها بخجل ممزوج بالكثير من الحزن …
ــ سيدتي انه لم يعد بحاجة اليها .
لم أتخيل يوما أن يطلب مني أحد طلباً كهذا ….. تذكرتُ اللحظة التي نُزعتْ فيها الساق اليسرى من الجسد المسجى ، حدثَ ذلكَ قبلَ سنة ، يومها أمضيتُ الليلة الأولى والليالي الأخرى التي أعقبت رحيله ، وأنا أمسك الشيء الوحيد المتبقي منه ، كنت أشعل الشموع وأركن طرف الساق اليسرى دون أن أنزع الحذاء الجلدي الأسود الذي كنت أديم مسحه جيدا قبل أن أجلس قبالة الشمعة والساق ..أخرج صوراَ تضمني وإياه قبل عوقه وبعده ، والكثير من علب السكائربعضها فارغة وبعضها الآخر فيها بضعة سكائر كان يخفيها تحت سريره كي لا أراها وأصادرها منه حسب مشورة الطبيب .. وأشرطة قديمة القمها جهاز التسجيل القديم ، وتنبعث أصوات آلات موسيقية يشرخها بين لحظة وأخرى صوت عذب لمطرب يردد لازمة تشبه الأنين ، كنت كلما أحاول أن أثنيه عن سماعها يصر على أن يسمعها كل يوم ، وينتظر أن أخرج ” كأن اتفاقا بيننا ” لكي يخرج علبة سكائره من تحت السرير ويدخن . أخرجني الصوت الحزين مرة أخرى من ذهولي .
ــ سيدتي ، صدقيني أنه سيرتاح في قبره كثيراً ، حينما يتناهى إليه بطريقة ما ، ان طرفه بات في حوزة من يحتاج اليه حقا .
لا أعلم كيف عرف أن طرفا لأحد أصدقائه مايزال بحوزة أرملته ، ولم أستوعب الجرأة التي يتحدث بها . الأمر الذي جعلني أفتح الباب على مصراعيه وأطلب منه أن يدخل وأنا أشير الى ناحية الكرسي الخشبي الذي يتوسط بقايا الحديقة التي تآكلت بسرعة منذ رحيله .. جلبت له ماءً ، ودون أن يستأذنني أخرج علبة سكائر من نفس النوع التي كان يدخنها زوجي .. نفث الدخان بالطريقة ذاتها ، كدت امنعه من مواصلة التدخين .. لولا النبرة ذاتها التي كان يديم فيها طلبه الملح
ــ سيدتي مذ أٌغلق المكان الذي أستلمنا منه أطرافنا الصناعية ، بتنا نبحث عن الأطراف التي يتركها أصدقاؤنا لنا بعد رحيلهم .
واصل التدخين ولمحت انه يرتدي طرفا صناعيا بحذاء مغبر ..
ــ ماحاجتك إلى ساق أخرى وأنت ترتدي طرفا صناعياً …
قاطعني بسرعة
ــ سيدتي أنا أُدير مقهى صغيرة هناك .. وأشار بأصبعه ناحية مكان ما ، مقهى صغيرة تحت ظلال شجرة سدر عملاقه ، تماما تحت اليافطة التي كانت تحمل اسم المكان الذي كنا نستلم منه أطرافنا الصناعية … نكوم السيقان والأذرع الصناعية تحت الشجرة .. نعرضها تحت الضوء، نجلس حولها نحدثها وتحدثنا .. ربما كان بعضنا يسمع البعض الاخر .. أقول ربما .. لا تستغربي ، ولا تقولي إنني مجنون ..! صدقيني نكاد نشم رائحة الدخان الذي يتصاعد من الأماكن التي تتزلزل فيها الأرض، وكيف كنا نتطاير قبل أذرعنا وسيقاننا . نبقي الأطراف في هذا المكان العام “والذي يعرفه كل من فقد ذراعا او ساقا ” ، ونقدمها مجانا لمن يحتاج الى طرف ليسير .. ربما يعاني من يرتدي طرفا غير مناسب لجسده في أول الأمر ، لكنه سرعان مايعتاده بسرعة حتى يتحول الى جزء من جسده .
حزنه الذي يخفيه تحت خرائط وجهه .. تلك الخرائط التي حفرها حزن كبير وغامض ، وجدت فيها شبهاً كبيراً بينه وبين وجه زوجي .. كلاهما يتعثر في الكلمات كما في الخطى … سألته عن علاقتهما
ــ سيدتي ، زوجك كان واحدا منا ، لم نفترق منذ التقينا في مركز تأهيل الجرحى ، المركز الذي كان يقدم لنا الأطراف كما تقدم الاطباق في المطاعم …ضحكت من عبارته .. وشاركني ضحكي ، ثم حدثني عن حمامات بيض تطير حول تلك الشجرة العملاقة ..
ــ بعض النسوة و” نشاركهن في بعض مايعتقدن ” .. لديهن يقين قاطع أن الشجرة مقدسة … إنها شجرة سدر عملاقة .. لم تفارقها الحمامات وهي تهدل .. بل يكاد هديلها يمتزج مع أحاديثنا ، احاديث عن حياة طويلة وشاقة عشناها … وعن أطراف عزيزة فقدناها في حروب كثيرة ومتعددة … حروب بلا معنى سيدتي .. كنا نحن وانتن ضحاياها . وفي أغلب الأحيان تنبعث من الشجرة رائحة نعرفها، تخترقنا بسرعة ونبقى طوال ساعات ونحن نعب من تلك الرائحة التي تقودنا الى أماكن قصية .. تبقى ملتصقة بأجسادنا المتعثرة .. رائحة لا تشبهها رائحة أخرى . لكني قاطعته لأوقف شلال الذكريات التي بدأت تتدفق عبر كلمات يخرجها بصعوبة كما كان يفعل زوجي حينما يكون حزينا …
قلت له سأفكر … ” أتمنى عليك أن تمر علي خلال يومين .. أجل يومين اثنين …. ”
نهض من مكانه وهو يبحث عن مكان يطفىء فيه سيكارته .. قلت له ارمها في الحديقة … فقد أهملت منذ رحيله .
أدار وجهه ناحية الحديقة ، وقبل أن أغلق الباب صدمني حزنه .. وكم تمنيت أن أوقفه وأسلمه الطرف الصناعي .. ذلك الشيء الذي بدأ يفقد بريقه ورائحته . أيقنت من تلك النظرة ، انه لن يأتي بعد يومين أو ثلاثة او أربعة او أكثر.. لكني بعد ثلاثة ايام حملت الساق الصناعية بعد أن لففتها بالشرشف الأبيض الذي كنت أضعه على سريره . وتحت الشجرة العملاقة رأيته جالسا على كرسي خشبي يدخن ، اقتربت منه .. رأيت النظرة ذاتها .. نظرة تائهة يلفها الغموض تحت شجرة تضج باصوات هديل حمامات بيض يحلقن قريبا من رجال بأطراف صناعية يجلسون أو يقفون قريبا منه .. قدمت له الطرف، ولا أعلم هل سمعني وأنا أطلب منه أن يحافظ عليه … عدت أدراجي وأنا أشعر بتأنيب كبير ، كنت أتمنى أن أحدثه عن علاقتي بهذه الساق الصناعية ، وكم تمنيت أن أخبره بأن نتفق على أن يعيدها إلي لتبقى معي ليلة في الشهر على الأقل. أغلقت الباب واتجهت الى غرفتي ، تمددت على السرير واذناي تلتقطان اصوات هديل حمامات وخفق أجنحتها وهي تقترب من شباك غرفتي تخترقه بسهولة لتحط قريبا مني ، وبعضها يحط على جسدي ، وثمة رائحة غريبة تنبعث من الحديقة . مر وقت طويل أحسسته مقيتا ، وجدت نفسي محاصرة بالرائحة ذاتها ، الرائحة التي كانت تنبعث من شجرة السدر العملاقة ، نهضت من فراشي واتجهت إلى الحديقة ،رأيته رغم العتمة ، جالسا يدخن وهو يمسك بيده عكازا خشبيا ، لم أكلمه ، بقيت لفترة طويلة انتظر منه ان يتكلم ، طالت فترة الصمت التي واصل اثناءها تدخين الكثير من السكائر واخيراً استند على العكاز الخشبي ونهض ..
ــ عذرا سيدتي لم أكن أنا من قرر أن يدخل البيت ، بل هذه .. واشار الى شيء ملفوف بشرشف وواصل ” بعد ذهابك وتفرق الاصدقاء بدأت بصف الاطراف داخل المقهى الصغيرة ، وضعت طرف زوجك معها ، لكني قررت لسبب لا أعرفه أن أجرب الساق ، لم أحس بالفارق وأنا أسيرفيه خطواتي الاولى، كان مناسبا بشكل غريب .. لذا ارتديته واعدت ساقي القديمة وضعتها مع كومة السيقان .. وفيما انا اقوم بجولتي اليومية في المدينة ، مر كل شيء بسهولة . كم كانت الساق ملائمة ، كأنها مصنوعة من أجلي .. ساق سلسة ومناسبة تماما ، عدا شيء واحد سيدتي أثار استغرابي كثيرا ، كنت احس السلاسة وانا اسير به في اتجاهات معينة ، لكني اجد صعوبة في السير به حينما أتجه نحو إتجاهات أخرى ، تحيرت منه ، وبدلا من العودة الى المقهى لأستبدله بساقي القديمة ، تركت الأمر له ليقودني، قادني دون تدخل مني سيدتي ، بسهولة في الحواري والازقة القريبة من بيتك هذا .. ولم أفطن إلا وأنا أقف قبالة البيت الذي وجدت بابه الخارجية مفتوحة ، فدخلت لا أعرف كيف إلى الحديقة ، سحبت الكرسي نحو زاوية معتمة وجلست دون أن أعرف لماذا ، مضي وقت طويل هيمن فيه صمت عميق وأنا في حالة ذهول حاولت أن أذيبه حينها بدأت بتنظيف الحديقة من الاوراق المتيبسة والساقطة من الاشجار ، وبعد أن إنتهيت من العمل عدت إلى بيتي وجلبت عكازا ، عدت الى هنا مرة اخرى دون أن أنتظر الصباح .. لأني قررت سيدتي أن أعيد إليك طرف زوجك .
بعد أن أنهى كلامه ساد بيننا سكون لم يقطعه سوى صوت تنفسه ، أحسست أنه يتنفس بعمق وسرعة ، وقبل أن يواصل الكلام قاطعته بلهجة هي مزيج من القسوة والحنان .. لهجة آمرة فيها الكثير من الود الذي دهمني وأنا أشم الرائحة الغريبة تهيمن على حواسي مرة اخرى …
ــ وما الضير في أن يقودك الطرف كل يوم إلى بيتي !!
نهضت من مكاني وأنا أساعده على ارتداء الطرف .. ترك العكاز في مكان جلوسه .. أدار وجهه ناحية الباب ومضى.

السابق
هذيان
التالي
قراءة في نص “تراتيل العكاز الأخير”

اترك تعليقاً

*