القصة القصيرة جدا

ترنيمة الأنثى المغيبة

ابصَرْتُهُ عن جنب يقترف تهمة البحث والقراءة كما كان يسميها وهو يدرسنا .. عرفناه مربيا انسانا وخجولا ..وشاعرا..حين كنا نسأله ونحن شابات يافعات مغناجات , يحمر خده ويطأطئ رأسه فيصير كلامه أقرب للهمس..
الحقيقة عرفته شاعرا صدفة بعد أن حضرتُ رفقة بعض الطالبات لأمسية شعرية من تنظيم جمعية أدبية محلية..بدا لي مختلفا وهو يقرأ..بدا وسيما ومنفتحا على عوالم الأنثى والفلسفة والحياة ..للإبداع سحره ولمسته عليه..
تبسمت في خبث وخجل..هو ذا من كان الطلبة يلقبونه بالمعقد..لكن شهادة لا يختلف فيها اثنان..كان محبوب الجميع والكل يحترمونه..يعاملنا بنفس الأسلوب..لافضل لأنثى على أخرى ولا لأنثى على ذكر..تعبر محياه قساوة هي أقرب للغز وللقلب..
غيَّبَتْهُ للحظة أجنحة المعرض ولكني كنت متأكدة أني سألتقيه حيث تنام كتب الشعر والرواية والقصة..هناك هوسه ومنفاه..
حاولت لبرهة أن أثير انتباهه كما كنا نفعل أيام الدراسة والطيش..كنت أميرة المعهد وربة الحسن والغواية ..وكان الكل يلهث ورائي..مازلت جميلة بل زدت أناقة..ومازال سرب العشاق يتغنون بي ….إلا هذا الرجلǃǃ
وأي رجل ..يا الله من أي طين فصل ومن أي………..
هو الآن إلى جانبي ..أحس بأنفاسه قريبة وباردة..يقلب ديوان الشاعر صلاح عبد الصبور..يتصفح مأساة الحلاج يتحرك برشاقة معرجا على عناوين باولو كويلا ..يقتني الخيميائي..أتحول لفاطمة ………عطر هنا وهناك ..لا غواية تهزه غير الكتب والحرف..هذا ما قرأته في حوار له في مجلة العربي..
رفعتُ صوتي أسأل عن أعمال أدونيس الكاملة ..ربما تذكره..لطالما سمعت أنه لاينسى بل هو منقوش بإزميل فرياسة وفي حكايا العشاق الشعراء ..ذي الرمة والمجنون وحتى سعيد حيزية..يذكره الكثيرون ايقاعا سماويا تهتز له النبضات وتترقرق لسماعه الهمسات بوحا ومناجاة..
وحده هذا الرجل –الشاعر الخجول-يستفزني ويعيد تشكيل حركاتي فأنحني بين خطواته مجرد مومياء فرعونية نكرة الهوية..مجرد أنثى ضعيفة..
-هل أحببته؟؟ǃ
يتشظى السؤال أمامي قويا ومهيمنا..لم أفكر يوما فيه..كل ما همني أن يشعر بوجودي وأن يجود علي بنظرة واحدة تعيد ترسيم أقانيم الأنثى بكياني..أفيق لأجده يبتعد واثق الخطوات دون التفاتة ولارعشة ولا حتى نظرة يتيمة..
-كم أنا تعيسة…
ألمح كالعادة الكثير من العيون تتملاني مسترقة النظرات..أبصق عليها سرا وعلانية..أمر نسمة بل أسطورة بابلية أو نوتة في رقصة البجع.. أتبع ظل هذا الرجل..لايمكن لامرأة أن تتحمل التجاهل والاهمال واللامبالاة.
صامتا يقلب المتحول والثابت ..مستأنسا يضم ما اقتناه..ثملا يصافح العناوين برقة..يلتقي مراسلا صحفيا ..يسلمه ورقة سمعت أنها اسئلة لحوار..يرميها دون مبالاة في جيبه..يلتقي اللحظ باللحظ..صدقت يا مستغانمي وحدها الجبال لاتلتقي..ينفجر الشعور بالسعاد والنصر..هو يذكرني بلاشك..هو يراني..كيان أنا وأي كيان..أباغته
-صباح الخير أستاذ..
يرد في برود..استغل الفرصة..
-أنا تلميذتك قبل سنوت…
كنت طفلة والآن أنا امرأة.
احسست أن “امرأة” خرجت قوية ..تراءى لي التفاتات البعض ..يكفي قلتها..قلتها ليحس بي..ليراني وليعاملني كأنثى تستحق..
-ماشاء الله بنيتي…
بنظراته الباردة..بصوته الخجول الذي يشبه الهمس..بتينك العينين اللتان لايشع فيهما ذاك البريق..بريق يرسله الرجل فتلتقطه الأنثى حتى ولو كان في غيهب الأعماق وبين آلاف الحشود..أجابني..ثم مضى يحمل ماتيسر من كتب كأن الزمن لم يتغير..
بقيت جامدة مجرد طفلة يؤنسها المطر الأسود أتابعه ظله يتلاشى كحلم بعيد………

السابق
طارق
التالي
تخاطر

اترك تعليقاً

*