القصة القصيرة

تعتيم

ارتعشت بين يدي كورقة خريفية ذابلة هوت من عل، صرخت مستنجدة: أبعدوه عني، أزيلوا رائحته القذرة العالقة على جسدي، اسلخوا جلدي كي ينمو غيره نظيفا وخاليا من لمساته العابثة. هكذا كانت تهلوس”ريم” كل ليلة، لم تكن تغفو إلا قليلا ليعود إليها هذا الكابوس المفزع؛ فأعيد ما كنت قد بدأته من محاولات لتهدئتها. كانت تستسلم ليدي تربتان على ظهرها وتمسدان الليل في شعرها المنسدل على كتفيها. لم تبح بقصتها لأحد، دوما مذعورة ومتوترة منذ أن جاءت إلى هذا المخيم وحيدة. لا أدري لماذا تقربت منها رغم صدها لي مرات كثيرة، كنت أعرف جيدا أنها تخفي سرا لا تبوح به حتى لنفسها. تجاهلت صدودها عني آخذة بعين الاعتبار أن سوريا بلدنا الأم وأن ما حدث مع أية لاجئة منا يجب أن نتشارك به لنزداد قربا في وحشة المخيمات المتناثرة هنا وهناك. كنت أكبر الفتيات في هذا المخيم، وهذا ما دفعني لأن أجعل من نفسي أما لهن وصديقة يعتمدن عليها ويفضفضن همومهن لها. بعد عدة أيام استأنست”ريم” بي وزال عن وجهها ذلك العبوس وانفرجت أساريرها بعض الشيء بعد ما لمست مني حرصي وخوفي عليها. كانت في العاشرة من عمرها، بضة طرية، عندما تبتسم أفتح لها ذراعي لتلقي بنفسها في أحضاني، تتمرغ بي وتقول لي:”رائحتك تشبه رائحتها” لم تذكر لي من هي وأنا احترمت صمتها الطفولي.
جاء الشتاء قاسيا، نخر البرد عظامنا؛ فكنا نجلس ملتصقات ببعضنا على أمل أن أنفاس كل واحدة منا تدفىء الأخرى. عندما وصل وفد سوري مرافق للصليب الأحمر، تجمعنا نشاهد ما يحدث، فجأة صرخت”ريم” إنه هو، وسقطت مغشيا عليها. عاد من جديد ذلك الأرق الليلي ينتابها، يتخلله هذيان يستمر إلى أن تشرق شمس يوم جديد. لاحظت عليها اليوم أنها تريد أن تصرح لي بشيء ضروري، طوقتها بذراعي؛ فأسندت رأسها الجميل على كتفي وبدأت بالحديث، لم أقاطعها خوفا من إحجامها عن الاستمرار في بوحها. استحلفتني ألا أخبر أحدا وبدأت تسرد لي كيف أن هذا الشخص هو الذي اقتحم المنزل، قتل والديها وأختها ذات الأربع سنوات، ومن ثم مارس معها ما لايخطر ببال طفلة لم تكتمل أنوثتها. استحلفتني أن أخلصها من هذا المكان فلا بد أن له عودة إليه في المرات القادمة.
عزمت على أمر خطير جدا يضاعف من مسؤوليتي تجاهها؛ سنهرب سويا من هذا المكان، وأخبرتها أن تتهيأ للأمر في أية لحظة.
كنت قد سمعت عن مهربين عن طريق البحر، وبما أننا في منطقة حدودية؛ فقد كان من السهل تقصي الأمر.
آن الأوان بعد انتظار ما يقارب أكثر من شهر، تسللنا خفية وهنا بدأت رحلتنا الشاقة سيرا على الأقدام، ثم في حافلة لأحد المهربين. لن أطيل عليكم أكثر، وصلنا إلى “المينا”، كان هناك قارب ينتظر، وعدد كبير ممن ينشدون الأمان. تدافعنا وأخذنا لنا أمكنة ومن ثم بدأت الرحلة الكبرى. هناك حيث المجهول بانتظارنا، حيث لا أهل ولا وطن كانت وجهتنا. في منتصف الطريق بدأ الزورق المطاطي يتهاوى بين الأمواج، أصبحنا في مرحلة حرجة. لاح في الأفق شاطىء الجزيرة لامعا شهيا. تهاوى القارب بحمولته الزائدة وانقلب رأسا على عقب. تمسكت بها جيدا، وأخرجت رأسي من بين الأمواج لأستنشق الهواء، وطلبت منها أن تتشبث بي جيدا إلى أن نصل سباحة.
تشنجت أطرافي حتى كادت اللجة العميقة تبتلعنا، ولكنني صممت على إنقاذها ولو كان الثمن حياتي. لمحنا خفر السواحل، أخيرا سنصل أحياء، لكن قواي بدأت تخور وأنفاسي تتقطع وحشرجة الموت باتت قاب قوسين أو أدنى مني. لم أشعر إلا بأياد تزيح حملي الثمين وتضعه بأمان في القارب، هنا بدأت أتلاشى شيئا فشيئا، ناديتها”ريم” لقد وفيت بوعدي، أنت بأمان الآن. آخر ما لمحته وجهها البريء تملؤه الدموع وسمعتها تقول رائحتك كرائحة أمي، ثم لم أعد أرى أو أسمع شيئا.
/ما كتبته أعلاه كان أثناء إقامتي في المستشفى بعد إنقاذهم لي من موت محقق. حتى هذه اللحظة لم تصلني أخبار من “ريم”، لكنني لم أفقد الأمل بلقائها/
أصبحت حكاياتنا الحاضرة تفوق بالمها وغرابتها كل الحكايا التي جادت بها قرائح وذاكرة الأجداد عبر الزمن الغابر… أذكر أحاديث جدتي عن أيام السفر برلك، ولا أظن أن أحداث تلك الفترة قد وصلت إلى الحد الخطر والمزري والمؤلم والفظيع الذي نشهده في زمننا هذا..
لماذا يحدث ما يحدث؟ ولماذا نحن مبتلون بهذا البلاء الجلل؟ وهل نعاقب بجريرة غيرنا؟ أم أن جريمتنا أكبر؟ تقاعسنا عن نصرة إخوان لنا في المواطنة والإنسانية، شهدنا مصيرهم المفزع وموتهم المخيف على يد طعمة ظالمة ، فخفنا أن ينالنا ما نالهم، فعشنا خانعين نستحق الموت كل لحظة..

السابق
الخروج على النص
التالي
قراءة في نص “تعتيم”

اترك تعليقاً

*