قراءات

تعددت الأقنعة والوجه واحد في نص “الأقنعة”

للكاتب مختار أمين

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

ولوج:
قال برناردشو :”سوف لن يهدأ العالم حتّى ينفذ حبّ الوطن من نفوس البشر..”، قول يبدو لنا حكمة تلخّص تجربة تأمّل في خطى البشر على وجه الأرض وحروبهم الضّروس توقا إلى الهيمنة وانتزاع الأوطان من كلّ شعب يرونه يتنعّم بهبات الكون ويخالونه مُعدما من حبّ الوطن وعشق الانتماء إلى أرض تلقّفته وليدا وسماء لفّته ببردها وألقمته ضرع أحلام الحياة..
والقصّ مطيّة الأديب لتصوير زلازل تلك الصّراعات باختلاف درجاتها على سلّم الواقع تصويرا يتجاوز الوصف إلى الفعل فيها ذودا عن غرس حبّ الوطن في نبض الوجود…

عبق:
أقف على تخوم نصّ “الأقنعة” للأديب مختار أمين، تجول عيناي بين مضارب القصّ فيه فتفوح منه روائح قدور قرى الحكاية فيه، عبقة برائحة مائدة قصّ عن الوطن منبجسة من أفعال الشّخصيّات وعلاقاتها ببعضها وأقوالها وصفاتها والأماكن التي ضربت فيها خُطاها والمعاجم التي اغترفت منها وجودها القصصيّ دون أن أتبيّن إن كان ضأنُ ذي الموائد قد زخر بنعم فصول خصب عشق الوطن والوفاء له والبرّ به أم أوهنت مذاقه مراعي الخيانة العجاف وبرك بيع الوطن العفنة…
ولا سبيل لفكّ ما أبهم منها وأشكل علينا تبيّنه إلّا بدخول مجلس “الأقنعة ” والجلوس إلى موائده وتذوّق ما جادت به من ضأن شهيّ الصّور دسم العبق مُبهم المذاق..

نهج أشعبيّ:
نهمة أقبل على مأدبة في مجلس “الأقنعة” وأنا أتمنّى لو أطوف على كلّ موائدها فأستحوذ على كلّ قراها دون المقبلين..لكنّ الجهد الأشعبيّ فيّ يظلّ محدودا بحدود قدراتي فأكتفي بأن تمتدّ يد قراءتي إلى مائدة الزّمكانيّة وأنماط الكتابة واللّغة حضورا وبناء عساني وأنا أفكّكها وأتفحّص جزيئاتها أنعم بمذاقات مقاصدها وأتلذّذ بكشف بعض الفوائد المرجوّة منها…

1-الزّمكانيّة فَلَك الحكاية:
– زمانيّا: جعل الأديب مختار أمين الحكاية في نصّه “الأقنعة” تمتدّ على زمنين وفي فلكهما تدور. وهما زمنا الحاضر والماضي.
ففي الحاضر يقف الرّاوي على بوّابة تأمّل الفعل وتقييمه والحكم عليه، إذ نُلفيه منذ شروعه في قصّ الحكاية يقول:” رغماً عني تشدّني قدماى لهذا الطريق، كأني آتٍ من رحلة طويلة مرهقة.
لا أعرف لماذا اخترت هذه المدينة بالذات؟
مدينة بلا حدود، كأنها تمتد في فَلاة، تسبح في السراب، وذلك الشارع الرئيسي تقذفني فيه قدماى، هو نفس الشارع الذي كان يراود خيالي في تلك الأيام الماضية، تصطف عليه المحال من الجانبين ذات فاترينات كبيرة واسعة، كلها متشابهة تبيع نفس السلع.. مسخ لنسخ بشرية، وجوه حية تغرّ الزائرين”
مشهد سرديّ وصفيّ في آن، حضرت فيه الأفعال المضارعة المرفوعة (تشدّ/ لا أعرف/ تمتدّ/ تسبح/ تقذف/ تبيع) لتروي فعل انشداد الرّاوي إلى ذات الطّريق مكرها في زمن الحاضريحيّره البحث عن السّبب ويقذف به نحو دروب الذّكرى فيندسّ في حضن الماضي مسترجعا ما رسمته خطاه من فصول الحكاية..ثمّ ينطّ إلى زمن الحاضر من جديد وهو يقول:” عشرون عاماً مشواري الصحفي، ومازلت أبيض اليدين، لا أمتلك حتى شقةً للزوجية، ولا أحيا الوضع اللائق بمركزي الاجتماعي، الناس ينظرون إليَّ كأني أمتلك عزباً وأطياناً، وسيارة فاخرة، وأني أعيش حياة رغيدة.
إنهم لا يتصورون أني أعيش على راتبي كأيّ موظف عاديّ في الدولة، ولا يتصوّر أحد أني لا أستطيع الزواج بمن تربطني بها علاقة، صار لها ثلاث سنوات، هي الممثلة الشابة الحسناء دلوعة الشاشة في هذه الفترة، وأنها تحلم كبقية زميلاتها في المجال بحياة أكثر ثراءً.. فيلا وسيارة آخر موديل، وأعمالا فنية في المحطات الفضائية العربية بالدولار، وعريسا أميرا عربيا يشتري لها طائرة خاصة أو قناة فضائية”، ناقلا لنا حوارا باطنيّا أضناه صوته وهو يبحث عن مبرّرات لسيره في درب الفساد وخيانة الوطن، حوارا سكنه لحظة التّلظّي بالحيرة بين الانخراط في تلك اللّعبة والإحجام عنها وهو بين مطرقة الحبيبة وشروطها والضّمير وعفّته، ولايزال يعشّش فيه حتّى لحظة السّرد ذي كوجه من وجوه تبرير الخطإ ممّن يدرك تمام الإدراك فداحته..ثمّ يغرق في استرجاع حوار طواه زمن الماضي ونغرق معه في متاهة الحكاية حتّى يفاجئنا بقفزة أخرى إلى زمن الحاضر بقوله:” هذه حقيقة لا أستطيع أن أصرح بها لأحد؛ أنا متأكد من سلامة نظري، المرة تلو المرة أنظر في المرآة لا أرى شيئاً!..
أحقاً لا أراني؟
الحقيقة فعلاً أني أقف أمام المرآة ولا أراني، هذه الحقيقة تشغل بالي، تكاد تكدر حياتي التي تتطاير، وتخترق السحاب بصاروخ أسرع من الصوت إلى القمة قبل أن أدرك كل نجاح، أو بالأصح كل موقع اجتماعي جديد، وهذا المنصب الجديد أُعتبَر كوزير، أستطيع حقاً تصفية كل أموري وعلاقاتي بطريقة أسهل.”، مواصلا نقل حوار باطنيّ، كبعض مناجاة الذّات وبوح لها بما يعسر مشاركته مع الآخرين، هو حالة تظلّ تسكنه منذ الانخراط في التّهاوي نحو دروب الخيانة كنجاسة لا خلاص منها بغير تطهّر..ولعلّ الحيرة تنهش القارئ وهو يرى حضورا لزمن الحاضر محمّلا بأوزار الماضي وعوالقه كأنّ خطى الرّاوي انغرست هناك وتجمّدت وما فقهت فوارق الأزمنة، فنضجّ بالسّؤال عن لبس الحضور ذا لكنّ تيهنا في لجج الحيرة لا يطول إذ يشفق علينا الرّاوي فيرتمي في حضن زمن الحاضر ذا من جديد كاشفا لنا ما حجبه السّرد حتّى بات مُبهما وهو يقول:” ألمحهم يتلصصون من خلال نافذة زجاجية خاصة فوق رؤوسنا، يتزاحمون عليها يلصقون وجوههم، التي تبدو كرسوم الكاريكاتير بعيونهم البارزة المتورمة، وصلعاتهم المتشابهة، وجباههم العريضة بحواجبهم الكثيفة، وأذانهم الكبيرة، وأنا أخطو كيّ أجلس بين رفاقي في مجلسهم الموقر حول المائدة المستديرة؛ لنصنع القرار، ونرصف المصير في التعليم، والصحة، والدين، والزراعة، وكافة المجالات التي تعني المواطن، وانا رغما عني معبأ بملفاتهم وأفكارهم..
أنال ترحيبهم وتهنئتهم وتقديرهم، وهم يحدقون فيّ من خلال أقنعة يرتدونها، تبدو عليهم واضحة ومحددة على وجوههم، ترسم أدوارهم بدقة وما كلفوا به، بينما يشير رئيسهم على المقعد المخصص لي، أشعر بالاختناق، يدور المكان من حولي، أنتحي جانباَ رغماً عني أتقيأ.. أتقيأ حتى الغرغرة، شيء ما يدفعني خارج المبنى، أجري في خوف ورعب.
الشارع يثور، يضجّ ضجيجاً مروّعاً، الكل في صراع، كأن الجميع في أتون كبير يغلي من خمسين سنة، يقلّّبه شياطينُ ماكرة بعِصيهم السحرية..
الأتون يفور..
الجرائد، والمجلات، والإذاعات، والمحطات الفضائية كلها سوداء، لا أستطيع قراءة أو سماع أو مشاهدة أياً منها، أشعر بالصمم..
الحقيقة عندي.. آلاف الموتى، مدن كبيرة تحولت إلى أكوام تراب، ودخان أسود، امتلأت السجون، مئات الأطفال تحطمت على رؤوسهم المدارس، وتشرّد العمال والمواطنون في البقعة المرصودة..
الكل أصبح سكارى في الشوارع، وعلى المقاهي في ضحكة البلاهة ودموع الحسرة، وخنقة الصدور وغل الاغتصاب..
الكل تحالف عليهم.. حتى أنا..
أيمكن أن أكون واحداً منهم؟
جندياً من جنودهم يحمل سلاح جراثيمهم؟
معولاً في أيديهم يفلق رؤوس الآلاف؟.
ها هم مدبرو الأحداث، أراهم قد اختفوا لبعض الوقت، حتى تهدأ العاصفة، وأنا أهيم على وجهي بين الشوارع والأزقة، أغوص في أشلاء الجثث وبحور الدم..
ولكني أراهم، أعرفهم جيداً، يضحكون من بعيد، وينفخون نفخاتهم السامة في الأتون بنظَّاراتهم الأنيقة تخفي غِلّ العيون، وابتسامة من الكاوتشوك المطاطي.. تتحرك بدقة لا توحي بمعنى محدد، عبارات رنّانة تتوعد وتتوعّد بقطع دابر الإرهاب وظلم الإنسانية، وتصرخ صرخة توحي بالصدق، أنهم سوف يعملون على إقامة السلام والأمن بين شعوب العالم، تخترق الأسماع وتملأ الرؤوس في عرض مستمر.
هنا أسمع.. هنا أرى، أجري، أسمع صراخات الأطفال، وصيحات الشعوب تطالب بالنيل مني..
أرى الحقيقة القذرة.. أرى نفسي، وفي هلع أفر من كل مكان، تأخذني قدماي إلى حيث بدأت.
أقف هناك.. أنزع الماكيت.. أفقأ عينيّ؛ يخرج منهما شريطان من دم أسود لزج، أنبش صدري، أقبض على قلبي، قلب أزرق يتلوّى كالحيّة، أضغط عليه في غيظ أعصره.. لا يموت.. أمضغه بأسناني.. لا يمل الحركة والدق..أصرخ،أجري كالمصروع، أقف أمام المحل، أراهم في انتظاري وهم يضحكون ويهللون، يشربون الأنخاب، يهنئون أنفسهم..
أتصلّب.. ارتمي.. أغرغر، يحملون جثماني في سعادة بالغة، وهم يحشرونني معهم”..هو ذا القسم الأخير من الحكاية حيث تنكشف حقيقة التواطؤ والخيانة كاملة واضحة للرّاوي وينجلي لنا سرّ هذا الحضور المتواصل لحالات سكنت الرّاوي ماضيا في خطى حاضره..فرغم إدراك التّهاوي والتّلظّي بلهيب التّشظّي بين النّفس والضّمير وبين قناعات الذّات وتسطير الآخر لخطاها، تنتهي حكاية التّورّط في نخر كيان الوطن اندفاعا طوعا بعد أن كان رهين الانقياد كَرها…
إنّ الزّمان في نصّ “الأقنعة” قد ارتسم لنا شتات أزمنة تتداخل خطاها ويضطرب دفقها وتعلو نواحات انبتاتها في خطّ الزّمن تماما كراوي الحكاية المتشظّي كمن يرزح تحت عاهة الانفصام..فبدا حضور الأطر الزّمانيّة حاملا لصورة الشّخصيّة البطل كاشفا لسوآتها ضاجّا بارتباكاتها وتأتأة محرّك عربة حبّ الوطن فيها وهو يكاد ينفذ من مخزون النّبض…

– مكانيّا: تزأبقت الأمكنة وما عانقت التّحديد والتّخصيص الواقعيّ في “الأقنعة” ،بل ظلّت تدور بين الطّريق والشّارع والمدينة والغرف الزّجاجيّة وأمكنة لقاءات بين مشربة ومكان بعيد ومكتب قد تناثرت..أمكنة تصلح أطرا حاوية لكلّ حكاية ولا تخصّ الحكاية التي بين أيدينا..تعميم عمد إليه الكاتب ليذكّرنا بأنّ الأحداث إنسانيّة لا يستأثر بها مكان ما على كوكبنا، وأنّ القضيّة المعروضة من خلالها أي الخيانة هي تهاو قيميّ إنسانيّ لا يغرق في وحله شعب بعينه، وأنّ التّخلّي عن بذر عشق الوطن في القلوب أتون يحترق فيه بنو الإنسانيّة مهما اختلفت أمصارهم..
لعلّ الكاتب ما خصّ الأمكنة بتسميات تحدّدها، لكنّه وشّاها بصفات تزخر بالدّلالات. فالمدينة “بلا حدود، كأنّها تمتدّ في فلاة، تسبح في السّراب..” والشّارع “تصطفّ عليه المحالّ من الجانبين ذات فترينات كبيرة واسعة، كلّها متشابهة تبيع نفس السّلع..مسخ لنسخ بشريّة، وجوه حيّة تغرّ الزّائرين”..أمكنة تحمل موقف الرّاوي من الأحداث والشّخصيّات في الحكاية، وثورته على سائد وضيع مبدؤه “الغاية تبرّر الوسيلة” ومنتهاه “غرقت يا جاهل فواصل غرغرتك”، وتعريته لمسكوت عنه ينهش أوطاننا ويخرّب أجيالنا ويسري كسرطان خبيث في جسد هويّتنا وعزّتها…

2-أنماط الكتابة، مشهديّة ومقصديّات:
بخطى متأنّية نمضي على الأديم الوعر لنصّ “الأقنعة” للأديب مختار أمين، نتفحّص كلّ تعرّجاته وَجَلَ التّيه في منعطفات ثناياه..ونحن نُمعن نظرا ونُصيخ سمعا ونَلوك الحرف الشّهيّ ونمتصّ عصارته كشهد بين فكّي عاشق أضناه الشّوق وأسرته لحظة وصال تسلّلت من عقال الذّاكرة، نُلفي أديبنا قد بنى نصّه على أنماط كتابة ثلاث هي السّرد والوصف والحوار باثّا في ثناياها حجاجا يصدح بأطروحة تلعن خيانة النّبض للرّوح،المواطن للوطن وتؤكّد أنّ عدوّ الإنسانيّة واحد لا يتعدّد، بناء جعل فيه كلّ نمط يحضر ليرسم مشهدا من مشاهد حكاية تهاو بتنا ندركها ونجهل تفاصيلها أو ندّعي الجهل ونعانق التّجاهل…

– المشاهد السّرديّة: صوّرت الأحداث بتفاصيلها الكاملة والسّارد يقصّها. وقد توزّعت هذه الأحداث على أربعة فصول حظي كلّ فصل منها بمشهد يصوّر تفاصيل نموّ الحكاية..
-أ-فصل تغرير النّفس: فيه صوّر الكاتب وقوع الإنسان تحت سيطرة النّفس وهو يدفعنا إلى تذكر تحذير الله لنا منها وهو يوصينا بعصيان النّفس والشّيطان،وذكره لسوء عاقبة انجرافنا بأهوائها وهو يحدّثنا عن تبرّئ الشّيطان وهو في النّار من ذنب إغواء النّاس ويربطه بالنّفس الأمّارة بالسّوء..وقد جعل السّارد حدث تغرير النّفس هذا يبرز لنا من خلال المشهد السّرديّ التّالي:” ترددت، قّررت الفرار، لكن شيئاً ما دفعني كيْ أختار ما يناسبني بثبات وهدوء.
في تلقائية عبرت داخل المحل، قابلتني ابتسامة زجاجية من البائع، وفي صوت آليّ قال:
ـ تفضل ها هنا.
أشار في آلية جهة اليسار، ركبت قطاراً عبارة عن غرفة زجاجية متحركة، سارت في ممر ضيق في سرعة وخفة، كالبائع المنتظر للزبون في خلاء المارة، وكساد البضاعة، ورهبة المكان تأخذ عقلي وتجعلني متجهماً، لا أفكر في شيء، كأني مقبل على مصير محتوم لعملية جراحية، فيها أغيب عن الوعي، ولا أعرف إن كنت سوف أعود مرة أخرى للحياة أم لا.
سلمني هذا القطار لغرفة زجاجية أخرى أكثر ضيقاً.. عاليةً علواً مبالغاً فيه، لا تحوي غير فراش أبيض صغير، أُغلق الباب، واستسلمت للفراش، بينما صاح صوت آخر في نفس الآلية:
ـ تجرد من ملابسك.
ترددت، ثم صاح الصوت:
ـ استعد.. انزع نفسك.
بطريقة لا شعورية وجدتني أخلع ملابسي المتواضعة الرثة، مجرد قميص وبنطلون لستر بدني، تجردت قطعة قطعة حتى غبت عن الوعي تماماً على آخر قطعة، كأني أخذت حقنة مخدر كبيرة”
هو مشهد سرديّ أوّله انقياد ل”شيء ما” وآخره تجرّد من كساء الذّات وتعرّ من الهويّة فغياب الذّات الواعية العاقلة تحت مخدّر الوجود الجديد..
-ب-فصل الوقوع في الشّرك العنكبوتي: قدّمه الرّاوي بجملة سرديّة واحدة تخبر عن التفاف شرنقة دناءة التّهاوي حوله قائلا: “نظرت إليهم وهم يبتسمون ابتساماتهم الخبيثة، وكأني وقعت في براثن شرك محبوك”. ليمضي في مشهد آخر إلى رسم الغرق في أتون الخيانة الملتهب..
-ج- فصل التّيه: يقدّم لنا فيه الرّاوي أحداث مرحلة التّشظّي بين الانخراط في بؤرة الفساد المواطَنيّ كَرها وإدراك قذارة تلك البؤرة وبشاعة جريمة الخيانة فنجده يقول:” أشعر بالاختناق، يدور المكان من حولي، أنتحي جانباَ رغماً عني أتقيأ.. أتقيأ حتى الغرغرة، شيء ما يدفعني خارج المبنى، أجري في خوف ورعب… أهيم على وجهي بين الشوارع والأزقة، أغوص في أشلاء الجثث وبحور الدم.. “، فيرسم لنا مشهدا مبشّرا بتراجع عن المنهج وتوبة عن المعصية وتطهّر من نجاسة الفعل ذاك لكنّنا نقف مشدوهين ونحن نقرأ نهاية الحكاية.
-د- فصل التّسليم بالتّردّي قدرا: أنهى الرّاوي حكايته بمشهد سرديّ ،تلا مشهدا سرديّا آخر ،ومشهد وصفيّ يكشفان وعيا عميقا بمرارة الانخراط في منظومة نخر الوطن خدمة لمخطّطات خارجيّة شيطانيّة، مشهد مخيّب لانتظاراتنا تماما كقفلة في قصّة قصيرة جدّا لكنّنا في خضمّ قصّة قصيرة في نصّنا هذا، ويأتي مشهد النّهاية صادما لنا نحن القرّاء فكريّا ونفسيّا والرّاوي يقول:” أفقأ عينيّ؛ يخرج منهما شريطان من دم أسود لزج، أنبش صدري، أقبض على قلبي، قلب أزرق يتلوّى كالحيّة، أضغط عليه في غيظ أعصره.. لا يموت.. أمضغه بأسناني.. لا يمل الحركة والدق..أصرخ،أجري كالمصروع، أقف أمام المحل، أراهم في انتظاري وهم يضحكون ويهللون، يشربون الأنخاب، يهنئون أنفسهم..
أتصلّب.. ارتمي.. أغرغر، يحملون جثماني في سعادة بالغة، وهم يحشرونني معهم”، حيث العينان رمز الإبصار والانتباه بيديه تُفقآن لتدلّا على التّجاهل والتّغاضي عن بشاعة الحقيقة، ومصارعة القلب لقتله وهو المتشبّث بالنّبض دالّة على فشل محاولات التّخلّص من الضّمير الحيّ المتيّم بحبّ الوطن رغم التّهاوي، والارتماءة كجثمان بين أيدي الأعداء المخرّبين للهويّة النّاخرين للوطن العابثين بأهله تعذيبا وسجنا واغتصابا وتشريدا، مشهد سرديّ يرسم فضاعة حدث التّورّط في ذلك الدّرب ذي الاتّجاه الواحد حيث اللّاعودة منه ويومئ إلى من لم يقعوا في شباكه بالنّأي بأنفسهم بعيدا عنه حيث الحياة ونضارة الوجود ونعمة الانتماء وشرف الهويّة..
وما اكتفى السّارد بنمط السّرد ومشاهده مطيّة لتقديم القضيّة وعرضها عرضا إخباريّا توعويّا في آن بل جعل نصّه بستان الأنماط الكتابيّة المتعدّدة الجائدة جميعا بشهيّ ثمار الحكاية ومقاصدها..
-لمشاهد الحواريّة: توزّعت الحوارات في هذا النّصّ بين الحوار الباطني(المونولوج) والحوار الثنائيّ أو متعدّد الأطراف. وقد نهض الحوار بنوعيه برسم مشاهد تعاضد السّرد في تقديم حكاية التواطؤ ضدّ الوطن البشعة
–أ- الحوارات الثّنائيّة رافقت المشاهد السّرديّة في بناء الحكاية حيث نجد في فصل”تغرير النّفس” كما سمّيته آنفا توظيفا لحوار ثنائيّ بين الرّاوي وحبيبته يقدّم تبريرا لمطاوعة النّفس المغرّرة وكأنّه يختلس نظرا إلى أعيننا المتلجلجة اتهاما واستنكارا وغضبا شديدا من سلوكه هذا فيورد هذا المشهد الحواريّ :” كانت نظراتها تصرخ في وجهي وهي تجلس في المقعد أمامي:
ـ هل من جديد ؟.
ترددت في الإجابة، ووجدتني أقول:
ـ قولي مبروك.. حبيبك سوف يمتلك مليون جنيه.
رجعت إلى الخلف في ابتسامة ساخرة، ثم أخرجت علبة سجائرها، وأمسكت بواحدة منها بجانب شفتيها بعد أن أشعلتها، وارتاحت بخدها على كفها، وهي تدفع شريط دخان حاسم قاطع، وقالت ببساطة:
ـ إذن اتفقنا.
ثم اقتربت مني هامسة:
ـ لابد الآن أن نعدّ لحظنا، ونغتنم الفرصة.
رقصت عضلات وجهي، وارتعشت شفتاي وأنا أردد:
ـ نعم.. نعم، ولكني لم أوافق بعد.
قالت في لهفة:
ـ على ماذا؟.
ـ موضوع المليون جنيه.
قالت في برود مهددة:
ـ إذا لم توافق سأسافر إلى الكويت.
قلت في حسم:
ـ هذا العقد الذي سأوقع عليه.. عقد غير شرعي.
ابتسمت في خبث وهي تقول:
ـ مثل علاقتنا ببعض.
قلت في خبرة المحاور المحنك:
ـ لكن الأمر يختلف.. المسؤولية في علاقتنا مشتركة.
ـ يا سيدي لا عليك، ولكني أحب أن أعرفك أني لا أستطيع أن أقوم بعملية إجهاض مرة أخرى بعد اليوم.
وهي تقول:
ـ يجب أن نعرف ماذا ينقصنا؟ وما هو الشيء المحدد الذي نريد فعله؟.”،
مشهد حواريّ يعرض فيه السّارد سببا من أسباب تهاوي النّاس في مزالق بيع الذّمم وخيانة الوطن..ثمّ نجده بمشهد حواريّ آخر يعرّي وجه استعباد ذاك الكيان الشّيطانيّ للعقول والقلوب والذّمم
القائم على مرحليّة المنهج حيث يسبق التّوريط الفعليّ استدراج إلى الشّبكة بحيث تصبح محاولات الإفلات منها ضربا من عبثيّة الفعل. وقد تمثّل هذا المشهد الحواريّ في ما يلي:” في صوت آمر قال كبيرهم:
ـ هيا وقّع هنا.
ابتلعت مرارة حلقي وأنا أقول:
ـ لكن أنا جئت إليكم اليوم، كي أوضح لكم أني منسحب.
ضجّوا ضاحكين وهم يتغامزون وينظرون إليّ في شماتة.
حسمها كبيرهم قائلاً:
ـ الوقت قد فات.. ما يجب عليك الآن إلا أن توقع على العقد بأنك شريك معنا.
ـ لكنّي ما اتفقت على أن أكون شريكاً معكم.
اقترب مني في خبث وهو ينحني على أذني:
ـ هذا تفضل منّا حبيبي.. أنت شريك دون أن تدفع مليماً واحداً، وسوف تحصل على مليون جنيه، تستطيع بها أن تتزوج ابنتنا وأختنا العزيزة.. الفنانة التي استحوذتْ على قلبك وعقلك.
عادوا إلى الضحك مرة أخرى، وأنا في اندهاشي وأوصالي ترتعد صرخت فيهم بخيبة أمل:
ـ نحن اتفقنا على أن أغمض عيني عن مشروعاتكم داخل البلاد كيْ تستطيعوا التوسع برؤوس أموالكم وتساعدوا الشباب.
قال الكبير:
ـ معك الحق، لكن حبيبي الاحتياط واجب، من الممكن أن تنقلب علينا وتفتح العيون علينا، وتقلب الرأي العام بقلمك البتار الذي يخشاه الجميع، ومن ورائه الجماهير الجائعة، والثورة الكامنة.. وهم بغيتنا.
ـ بغيتكم!.
ـ نعم.. نود مساعدة الجميع.
ـ إذن أنتم تورطونني معكم!.
ـ حبيبي لا يوجد أيّ ورطة.. نحن نحبك، ولا نثق في أحد غيرك؛ فما توقيعك ها هنا إلا نذيرٌ لك بأنك شاهد علينا فيما اتفقنا؛ فلا تنكره أبداً بعد اليوم.
صرخت في ضيق وخزي:
ـ لكنّي لا أستطيع.. لا أستيطع.
ـ الوقت قد فات.. لا أحبّ أن نذكرك بأنك مهّدت لنا وعرفتنا على عملاء، وظهرت معنا في كل المحافل والمناسبات، وشهدت الصور الفوتوغرافية والسينمائية والتسجيلات على ذلك أمام الجميع، هيا.. هيا، حتى تخرج من هنا وتبدأ حياتك الجديدة، وتنعم بالسعادة، ولك عندنا هدايا كثيرة بعد ذلك”
فتنكشف حقيقة التّورّط ومرحليّة الاستدراج وبشاعة التّهاوي ذاك
وإن رسم ماسبق ذكره من مشاهد حواريّة حكاية الانخراط كرها فقد نهض المشهدان الحواريّان التّاليان برسم حكاية الصّراع والتّشظّي التي تكابدها شخيّة الرّاويز حيث أنّ نظرا في ما يلي يكشف حدّة هذا الصراع ومراحله: ” سيدي الرئيس في انتظارك ضيف من جهة أمنية يطلب مقابلتك.
قمت في فزع من على مكتبي قائلاً:
ـ ماذا؟!.
ـ ما بك سيدي.. الأمر يبدو بشارة خير، كلنا في العمل نتوقع ذلك، ويجب أن تكون أولنا.
ـ لا.. لا فقط أنا مرهق.. لم أنم من وقت كبير، دعه يدخل واجعل الأمر في غاية السرية من فضلك.
– هذا تكليف يضاف إلى مسئولياتك المتعددة.
ـ لكن أنا لا أستحق.
ـ ماذا؟!.
ـ أقصد الوقت غير مناسب؛ لديّ تصفية بعض الأمور.
ـ ربما المنصب الجديد يساعدك على تصفية هذه الأمور بطريقة أسهل..”
و” ـ أشعر أنك خائف متردد كعادتك.
ـ بالفعل.. أنا لا أريد الذهاب، أخشى خداعهم، ولكن الأمر لابد منه”
مشهدان حواريّان الرّاوي طرف في كليهما ينقلان لنا حكاية مكابدة التّمزّق بين ذات مستحدثة خائنة مخادعة وذات مكتومة عاشقة للوطن وفيّة ليغلب صوت الأولى وينتصر الشّرّ مسايرة من الكاتب لواقع معاصر ووفاء منه له وهو يرسمه سردا وحوارا..
–ب- الحوار الباطني، استأثرت به شخصيّة الرّاوي وهي تكابد صراعها الدّاخليّ بين أصوات النّفس وصوت القلب والضّمير..وقد جعل الرّاوي الحوار الباطنيّ ينهض بوظيفة تبنّي نمط حجاجيّ يضمّن الموقف ولا يصرح به انهزاما أمام النّفس المغرّرة وفشلا في التّحرّر من شباك العنكبوت السّامّة، هو موقف إنكار الذّات الجديدة المخادعة واستنكار تلاشي الذّات الأسّ، موقف يؤكّد أنّ التورّط في خيانة الوطن انبتات واغتراب لا ظفر بعودة منه إلى رحاب الذّات وحضن الوطن ، فالرّاوي إذ يتهدّج صوته قائلا:” أحقاً لا أراني؟
الحقيقة فعلاً أني أقف أمام المرآة ولا أراني، هذه الحقيقة تشغل بالي، تكاد تكدر حياتي التي تتطاير، وتخترق السحاب بصاروخ أسرع من الصوت إلى القمة قبل أن أدرك كل نجاح..”، ومردّدا بمرارة :”الحقيقة عندي.. آلاف الموتى، مدن كبيرة تحولت إلى أكوام تراب، ودخان أسود، امتلأت السجون، مئات الأطفال تحطمت على رؤوسهم المدارس، وتشرّد العمال والمواطنون في البقعة المرصودة..
الكل أصبح سكارى في الشوارع، وعلى المقاهي في ضحكة البلاهة ودموع الحسرة، وخنقة الصدور وغل الاغتصاب..
الكل تحالف عليهم.. حتى أنا..
أيمكن أن أكون واحداً منهم؟
جندياً من جنودهم يحمل سلاح جراثيمهم؟
معولاً في أيديهم يفلق رؤوس الآلاف؟.”، يصرخ في وجو الغافلين بأن هذه حقيقة ما حدث وما يحدث، وأن هذا الأتون به يحترق المتهاوون فاحذروه…
وهكذا يخرج الحوار من مجرّد نقل الأقوال لكسر نسق سرد رتيب إلى حامل لدلالات النّصّ ومقاصده مساعدا على كشف دلالاته.

– المشاهد الوصفيّة: زاحم الوصفُ السّرد في نصّنا هذا حتّى كاد يلتبس الأمر على القارئ فيحتار بينهما..والمشاهد الوصفيّة مثّلت مطيّة الكاتب للتّقدّم بالسّرد رسما للشّخصيّات خارجيّا وباطنيّا وتعرية لبشاعة وجه القضيّة المعروضة وخدمة لمقصديّة النّصّ..
فرسم الشّخصيّات بالوصف توجّه أساسا إلى شخصيّة ال”هم” الغائبين تسميةََ الحاضرين أفعالا بشعة. حيث يصفهم الرّاوي قائلا: ” ويُخيّل لي عيونهم الزجاجية التي خرجت عن وجوههم، كأنها تخرج من ضفادع عجائز، ورؤوسهم الصلعاء يغطيها ثمة طاقية صغيرة في وسط الرأس.. بجلابيبهم السوداء الضيقة من الخصر../ وجوههم، التي تبدو كرسوم الكاريكاتير بعيونهم البارزة المتورمة، وصلعاتهم المتشابهة، وجباههم العريضة بحواجبهم الكثيفة، وأذانهم الكبيرة/، أعرفهم جيداً، يضحكون من بعيد، وينفخون نفخاتهم السامة في الأتون بنظَّاراتهم الأنيقة تخفي غِلّ العيون، وابتسامة من الكاوتشوك المطاطي.. تتحرك بدقة لا توحي بمعنى محدد، عبارات رنّانة تتوعد وتتوعّد بقطع دابر الإرهاب وظلم الإنسانية، وتصرخ صرخة توحي بالصدق، أنهم سوف يعملون على إقامة السلام والأمن بين شعوب العالم، تخترق الأسماع وتملأ الرؤوس في عرض مستمر”
تتعاضد هذه المشاهد الوصفيّة لترسم لنا تلك الشّخصيّات وتكشف وجهها وتعرّي حقيقتها فالعدد متعدّد والوجه والحقيقة واحدان لا يغيّر يشوبهما، لنجد أنفسنا أمام وجه صهيونيّ بكلّ تفاصيله وحقيقة مخطّط صهيونيّ عالميّ بكلّ سماته وخطواته القذرة..فالكاتب ما وصف ليوشّح سرده بجماليّة الوصف ولا ليقدّم للحوار بإشارات ركحيّة وإنّما وصف ليحدّد منبع المعضلة وأسّها والمسؤول الأوّل والمستفيد الوحيد في هذه المخطّطات الشّيطانيّة الملتهمة الأوطانَ الفاتكة بالشّعوب قتلا وحبسا واغتصابا كما ورد في النّصّ: ” آلاف الموتى، مدن كبيرة تحولت إلى أكوام تراب، ودخان أسود، امتلأت السجون، مئات الأطفال تحطمت على رؤوسهم المدارس، وتشرّد العمال والمواطنون في البقعة المرصودة..
الكل أصبح سكارى في الشوارع، وعلى المقاهي في ضحكة البلاهة ودموع الحسرة، وخنقة الصدور وغل الاغتصاب..”.

-3- اللّغة حمّالة متن وكاشفة ستر:
نقرأ نصّ “الأقنعة” للأديب مختار أمين قراءة العابر فنلمس لغة بسيطة يسيرة الفهم بعيدة عن البلاغة المبهمة والتّرميز المخاتل. لكنّنا ما أن نقف عليه وقفة المتأمّل حتّى نظفر بلغة اعتمدت العمق لفظا وتراكيبَ لرسم مقاصد الحكاية بدقّة تضمن لها البلوغ إلى فكر القارئ وتحقيق النّفعيّة التّوعويّة المرجوّة منها..
××على المستوى اللّفظي: عمد الكاتب إلى تكرار بعض المفردات تكرارا يرمي إلى تبليغ الصّورة المرسومة للقضيّة المطروحة إلى القارئ تبليغا دقيقا ومن ذلك نجد:
-زجاجيّة(ابتسامة زجاجيّة/غرفة زجاجيّة/غرفة زجاجيّة أكثر ضيقا/ نافذة زجاجيّة) : والزّجاج مادّة شفّافة يُخيّل للجاهل أو الغافل أن لا وجود لها وأنّ الممرّ حيث تنتصب هي منفتح على حرّيّة الخطو، فيُقدم عليها واقعا في مصيدتها متهشّما كقطعة بلّوريّة، وكم عصفورا غرّيرا تكسّر منقاره أو جناحاه أو أزهقت روحه بسبب جهل بذاك الزّجاج..
والزّجاج هشّ سهل التّكسير لمن أدرك حقيقته، جارح مؤذ حتّى وهو يكابد الانكسار والشّتات ..ألا نرى في اعتماد هذه المفردة بدلالاتها ذي وتكرارها إشارة إلى بني إسرائيل وهم يعتنقون التّخريب والتّدمير في حركتهم الصّهيونيّة مؤذين أوروبّا أوّلا وهم شظايا انكسارات ثمّ العرب ثانيا وهم منتصبون في وجود مظلّل تماما كجدار زجاجيّ..؟
-الشّارع: مفردة تكرّرت في النّصّ عدّة مرّات بينما حضرت مفردة “الطّريق” مرّة واحدة. والشّارع صيغة صرفيّة لاسم الفاعل مشتقّة من (شرع) وهو فعل بمعنى بدأ الحركة ومنه سُمّيت أمثاله من الأفعال “أفعال الشّروع”. فلئن دلّت هذه اللّفظة ظاهريّا على المكان فإنّها حملت باطنيّا دلالة بادئ الحركة، وكأنّنا بالكاتب يشير إلى أنّ بداية الحركة تورّط في أسنها كما نردّد في المثل الشّعبيّ:”من أمسك إصبعا ظفر بكامل اليد”، ناقدا بذلك هذا التّورّط الذي كانت بدايته تجربة منصاعة إلى تغرير النّفس، مشيرا إلى أنّ الجرائم الصّهيونيّة في حقّ العرب والإنسانيّة ،شراء للذّمم وزرعا للإرهاب ونخرا للإدارات وهتكا للعرض وسبيا للأرض ، ليست إلّا شروعا في تنفيذ مخطّط صهيونيّ كبير هو الكيان الإسرائيلي العظيم ..
_عبرتُ، والعبور هو تغيير موقع الخطى من ضفّة إلى أخرى ومن رصيف إلى آخر، والعبور تجاوز عائق مائيّ أو برّيّ فيه خطورة على عابريه..هذه اللّفظة تكرّرت دالّة على تخلّص الرّاوي الشّخصيّة من درب حياة آمن وهو الوفاء للوطن إلى درب في الارتحال إليه مجازفة وفي الوصول إليه مكابدة الانبتات والتّعرّي من كلّ شرف وكرامة ووجود..هو العبور إلى ضفّة الخيانة والغدر بوطن هو رحم وجودنا الذي فيه ترعرعنا واكتسبنا حقّ الحياة السّليمة
-“حبيبي”، مفردة تردّدت على لسان ضمير الغائب الجمع”هم” في محاورتهم للرّاوي وهم يخضعونه لمنهجهم ويعلنون استعبادهم له فكريّا ووظيفيّا، وهي مفردة تذكّر بالملفوظ الإسرائيلي في الخطابات التحاوريّة التجاريّة أساسا، وبالتالي تحضر شاهدا على انتماء الشّخصيّة مؤشّرا على إفصاح الرّاوي عن هويّتهم من خلال ملفوظهم..
لترتسم المفردات لغة مثقلة بالدّلات والمقاصد…

– المستوى التّركيبيّ: عمد الكاتب إلى نسج جملة من التّراكيب المصوّرة لمأساة التّجرّد من الذّات بيعا للذّمّة وانخراطا في أتون جرائم الغدر والخذلان فنجد على سبيل الذّكر لا الحصر ما يلي:
-انزع نفسك
-تجرّدت قطعة قطعة حتّى غبت عن الوعي تماما على آخر قطعة
-تأخذ عقلي
-تجعلني متجهّما لا أفكّر في شيء
وهي جملة من التّراكيب تكشف حقيقة التّواطؤ مع العدوّ من حيث هي تجرّد من القيم والعقل والهويّة وتيه في دروب الانبتات
كما نجد الكاتب يرسم عالم الوهم الذي يغرق فيه الرّاوي المتجرّد من ذاته معتمدا تراكيب من قبيل:
-دخلت ساعة الظّهيرة والنّاس نيام تقريبا(في إشارة إلى وهم التّفرّد بالفطنة وهو يلج غرفة التّجرّد)/ خرجت في اللّيل والحياة تدبّ في الشّارع (في إشارة إلى وهم الخروج من تجربة التّجرّد وهو على باب قوسين أو أدنى من انكشاف حقيقته للنّاس وهو يتستّر بعتمة التّعتيم والتّواري)
_كأنّ هناك شيئا حقيقيّا يحدث يربط هذا الجمع ببعضه (في إشارة منه إلى بقايا إدراك لبعض حقيقة البؤرة التي ارتمى فيها فغرق)
-مسخ لنسخ بشريّة ، وجوه حيّة تغرّ الزّائرين، تركيب يبدومن خلاله العالم الإنسانيّ المنخور بديدان المخطّطات الصّهيونيّة متوارية في شرانق الخيانات الوطنيّة كمسرح الدّمى، كلّ الوجوه فيه مجرّد نسخ لوجوه بشريّة نسخا مسخا يُضحك الأطفال ويدمي قلوب الرّجال، عالما لا يُسمع فيه من الصّوت غير الصّدى ولا تُرى فيه من الهامات غير الظّلال ولا يتحقّق فيه من الفعل غير ما تمليه أزرار أجهزة التّحكّم عن بُعد…
ذي التّراكيب والألفاظ أوردتها أمثلة عن الحضور اللّغوي الوظيفيّ المائز في هذا النّصّ، من قبيل الذّكر لا الحصر. والمتوغّل في النّصّ توغّلا أعمق وأدقّ قادر على أن يكشف لنا منها الكثير ويضيء من إبداع النصّ القسم الوفير..
إنّ وقفتي المحدودة هذه على نصّ “الأقنعة” للأديب مختار أمين، وهو يسمه بالأقنعة جمعا معرّفا بالألف واللّام تخصيصا وتحديدا مؤكّدا بذلك وهم الوجه الخارجيّ لمأساة تكابدها الإنسانيّة اليوم عموما والعرب على وجه التّحديد، داعيا إلى التّفكّر العميق للتّبصّر وإدراك الوجه الحقيقيّ الكامن وراء تلك الأقنعة متلوّنا بها حسب غاياته وأهدافه وخصوصيّات كلّ عصر وكلّ مصر، قد حقّقت لي متعتين: متعة التّمتّع بحكاية هي من مرارة الواقع تنهل وبألق إبداع كاتبها تتحلّى، ومتعة اشتغال فكري المتواضع على زخم قصّ وصلابة إبداع وعمق بنية دلاليّة يُرهق الهواة مثلي الغوص فيها ويمتعهم ويفيدهم في آن..

نأي مكرَه:
أجدني أردّد وأصوات الارتحال عن قرى نصّ “الأقنعة” تتعالى متغنّية:
“ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ____ هل تطيق فراقا أيّها الرّجل”
أصيح كما صاح صديق لي ذات منبر جامعيّ:”لا لا أطيق..لكنّي مُكره والدّرب عنّا يضيق..”..
فيا نصّا “يعزّ عليّ أن أفارقه” وموائد مأدبته تزخر بفنون الإغراء، كلَّ متني ومساحة القراءة في الفضاء الأزرق قد كلّمتني مذكّرة بأنّ الصّدر لغزير القول لا يتّسع..سلمت قريحة مبدعك الأديب مختار أمين ولا نضب مدادها الألق وعذرا لوهن جهد القراءة..

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
كبرياء
التالي
الخروج على النص

اترك تعليقاً

*