القصة القصيرة جدا

تقاعُدٌ

هل أخطأ حين سمح لطيور الهمِّ، أن تحط على كتفيه، وتركها توشوش؟ يوم بدا له أنْ يزجرها، كان الأوان قد فات، فقد اتخذت من رأسه عشًّا، ثم باضت، وفرخت.
لطالما منَّى النفس بتقاعد مريح، يغسل عنه أدران الماضي، يرمم ما اهترأ من النفس، وتشقق من الروح، ويلملم ما انسكب من العمر، يهدهد جسده المكدود، ويلتقط أنفاسه اللاهثة، وينعم ببعض الهدوء، بعد الركض مع الزمن، ومسابقة الأيام.
نشأ عصاميًّا في أسرة رقيقة الحال، تأتي أفواهها الكثيرة على ما يكسبه عائلها، فلا تبقي ولا تذر. نال من التعليم ما تصبو إليه نفوس أترابه، جاب البلاد طولًا وعرضًا، ارتحل للداخل والخارج، عمل في وظائف مرموقة كثيرة، خالط أجناسًا شتى، خبر السعة والضيق، تارة يلسعه النحل، وأخرى ينعم بالعسل.
في أوان المد، كان يتقلب في أحضان أبوين طيبين، وزوجة صالحة، وأولاد بررة، المسكن واسع، والدابة ذلول، والخير وفير، ثم جاء الجزر، ليبُتلَى بشئ من الخوف، والجوع، ونقص من الأموال، والأنفس، والثمرات.
أسدل الليل سدوله في ساعة العسرة، تموج البلاد بغتة بأحداث جسام، يفقد على أثرها وظيفته، وينفض عنه الأصحاب والخلان، اكتشف أنهم سراب بقيعة، حين ظمِئ لم يجدهم شيئًا، أضحى النسر مقصوص الجناحين، فرس السباق الذي اعتاد الفوز بالمراكز الأولى، كبا فجأة قبيل النهاية بقليل، زاد الطين بلة، وفاة الوالدين، ومرض الزوجة، وتجهيز ابنتين للزواج، ما جمعه النمل في سنوات؛ أطاح به خف البعير في لحظة، باع ما أمكنه بيعه، وصفَّر أرصدته البنكية، وبذل وسعه ليجتاز العقبة؛ لكن عنق الزجاجة استطال، فعاد سيرته الأولى، يقاسي وزوجته شظف العيش.
أكبر نعم الله عليه كانت هذه الزوجة الصابرة، تشد أزره برجاحة عقلها، وتضمد جراح قلبه بلمستها الحانية، من أجلها طرق الأبواب، يبحث من جديد عن عمل مناسب، لكنَّ أرباب الأعمال لا يرحبون بكبار السن، خاصة أصحاب الخبرة منهم، يفضلون شبابًا غريرًا، عجائن يشكلونها كما يتراءى لهم، تسمع وتطيع، فالسادة لا يطيقون أن يبدي العبيد رأيًا.
تمسك بأهداب الأمل، حتى لاح في ظلام النفق الدامس، بصيص نور خافت، وظيفة ميدانية شاقة تنوء بكهلٍ خمسيني، أمضى سنوات عمله خلف المكاتب المكيفة، وبين أضابير المستندات.
عصر على نفسه ليمونة، تجاهل غطرسة أرباب العمل، تحمَّل فظاظة بعض العملاء، تغاضى عن سخرية رؤسائه؛ وهم أفراخٌ في أعمار بنيه، شباب لم يتحمل المسؤولية بعد، ينعم بالمال والصحة، لم يشفع له عندهم سنه، ولا شيبته، فطالته سياط ألسنتهم، وأحرقته غمزات الأعين، تجمل بالصبر، لكنْ إلى متى، وقد رحلت بالأمس حبيبة القلب، وذبلت زهرة العمر؟

السابق
طريق سفر
التالي
هِيَ

اترك تعليقاً

*