القصة القصيرة

تقول العرب…

لا أرى إلاّ أنا في حضن هذا المجهل، وحيدا إلاّ من أنفاسي تذكّرني أنني مازلت حيا، منذ إن امتطيت الصحراء طريقا، وأنا أدعو الله ألاّ تخونني سيّارتي، كان الطريق أمامي حبلا أسودا ارتمى في هذه البيداء، يتلوّى مع آكامها، يرتفع بارتفاعها، وينخفض إذا مدّت على الأرض ظلا، عرفت له بداية، ولكنّه كذيل ثعبان خرافي كلّما حدّه الأفق، غاص في الأفق من جديد بلا نهاية.
لكن يا أنا، خانك من دعوت الله ألاّ يخون، لعلّ لها في الأمر عذرا، فتحتُ صندوق سرّها، لعلّها تبوح لي بعذر توقّفها، لكنّ جهلي بمعرفة ما توارى من الأعذار أوقفني أمامها كصنم ظنّه الجهّال أنّ له في الحياة معرفة وقُدرة، ولكنّه كما قيل في غيره عرف شيئا و غابت عنه أشياء.
قلت في نفسي: ما نفع كلّ تلك الشهادات العلمية التي نلتها من مختلف الجامعات وأنا أقف الآن أمام سيارتي كبدويّ رمته خطاه في زحمة المدن، فارتبكت حركاته، وجهل مسلك عودته، فلا الحركات عرف كيف يُهدّئها، ولا المسلك أماط لثام تستره.
المكان قفر، لا طائر في السماء، ولا دابة تدلّني آثارها عن أناس كسّروا صمت المكان ووحشته، ولا سيّارة أجد عند راكبها أمل النجاة، كأنّ الطريق حُرّم على غيري، ليُرخّص لي فيه لوحدي.
وقفتُ على هضبة قريبة مني، لعلّ العين تقتنِص أثرا للحياة، فلم تر إلاّ رمال تلاطمتْ كأمواج بحر في يوم عاصف، زادتها شمس الأصيل حُمْرَة حين أرختْ عليها أشعتها قبل الرحيل، تسرّب للنفس شيء كالخوف من مجهول قادم لا أعرف له ملمحا، لعلّ الخوف من أن يكون هذا الصحصاح لي قبرا، فأكون وجبة لدواب الأرض، آه ما أقسى على الإنسان أن يكون لوحده، يصبح شيئا مهملا، وإن ظن أنّه استقوى بما ملك، فقد ضعف بما جهل. تذكرت قول الأحيمر السعدي وما أظنه صادقا:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى *** وصـــوّت إنسان فكـــدت أطيــــــــر
وأنا كلّ ما أرجوه سماع صوت إنسان، أو رؤية هيئته ولو من بعيد.
كلّت رجلاي من طول الوقوف، والعين أتعبها الترقّب، والقلب كثرتْ هواجسه، كلّ شيء في المكان ساكن، إلاّ رداء أسودا موشّى بحمرة، يزحف فيحيل صفرة وحمرة المكان إلى سواد، سرّحتُ ناظرَيَّ، رأيت على صفحة السماء حروفا خطتها نجوما تسابقت في الضياء، هذا الصفاء، وهذا اللمعان ما اعتادت عليه العين في مدينة رانتْ الغازات، والأدخنة على سمائها بأدرانها، فحجبتْ هذا الجمال المتراقص من البريق، فالعين كبّلتها قيود البنايات، والصدر أطبقتْ عليه الروائح العطنة.
لم يكف هذا الليل عتمته، وسواده، فأنزل صرده يطرق العظام فترتعش، ولجت في السيّارة واتّخذتها مسكنا ومبيتا، حمدت الله أن معي بعض الزاد والماء، الآن صدّقتُ زوجتي حين تقول: لا تأمن الطريق، خذ معك ما يحميك، ويقوتك.
في هذا الصمت الرهيب وجد العقل فسحة فراح يتخبّط في فوضى ذاكرته، قفزتْ صورتي وأنا طفل صغير، والمعلم يمدحني أمام أقراني: أنت أذكى من في الفصل، سيكون لك شانا، زاحمتها صورتي وأنا استلم شهادتي الجامعية وجائزة الطالب المثالي، فأراني بعد سنوات أعبر ممر كلّية الآداب، وطلبتي يتهامسون: كيف نال كلّ هذه المعرفة عن أحوال الشعراء، ولغتهم، وبيئاتهم؟؟ ازددت تيها وفخرا، فلا أرى من هو أعلم مني بلغة العرب، وأشعارها، فإذا تكلمت في أي مؤتمر ساد القاعةَ السكونُ، وما رحلتي هذه إلاّ زيارة لدولة مجاورة لحضور مؤتمر أدبي، فضلت أن أسلك هذا الطريق الصحراوي، حتى أرى الصحراء وما استبطنت من الأسرار، وإن من خلف بلور السيّارة، فقد أحطت بمسمياتها علما، وجهلت معرفتها عن قرب.
بعد طول ليلة مقطعة الأحلام والنوم، شعرت بحركة غريبة خارج السيّارة، فتحت عينيّ، فإذا برجل طويل، رثّ الملابس، أشعث شعر الرأس، واللحية، انحنى يتفرّس ما في داخل هذه السيّارة المرميّة في حضن الصحراء، ليس بعيدا عنه وقف حماره الصغير، وقد ربط على بردعته بعض الزاد، سرّحت جسدي المنكمش على الكرسي، خرجت من معتقلي، انتشيت بنسيمات الفجر النقية، والشمس قبل بزوغها ملأت المكان بنور أشعتها المطلة من خلف كثبان الرمال، سألني بكلماته القليلة عن سبب نومي في هذا المكان، شرحت له السبب، عرفت أنه راعي إبل حين رأيت أعناقها ترتفع وتنخفض تتّبع منابت الكلأ.
تمشيت معه قليلا، سألته:
ـ هل هذا القطيع من الإبل لك؟
ـ يا سيدي، تقول العرب صرمة من الإبل لأنها أقل من أربعين رأسا.
أصابني ارتباك أمام هذا البدوي، لأني أول مرّة أسمع بهذه الكلمة، اقتربت منّا ناقة ضخمة، فحتى أخفف عني الارتباك لذي أصابني قلت له:
ـ الواضح أن هذه الناقة حبلى، وقريبا ميلادها.
أتتكلم عن امرأة أم عن الناقة؟ لأن العرب تقول: ناقة خِلفة، وإذا ولدت تقول: نتجت.
لقد أصابني هذا البدوي بجرح في كرامتي العلمية، واللغوية، وأنا من أتقن لغة العرب وعلومها، وحتى استرجع ما هدر لي من كرامة، أضمرت في نفسي أن أُرِيَ هذا البدوي مدى اتساع معرفتي في مسميات البيئة التي يسكنها، فأنا أستاذ جامعة معروف، وهو مجرّد راعي يتتبع عطن عيره أينما اتجهت، جلست فوق كثيب رمل وقلت له:
ـ العرب لم تترك شيئا في الصحراء إلا وأطلقت عليه اسم يناسبه، أتعرف أن هذا النوع من الكثيب تطلق عليه العرب ” العقنقل”
نظر إليّ باستغراب وقال:
ـ لا يا سيدي، تقول العرب عن هذه الرمال المجتمعة “العوكلة” أما “العقنلقل” فهو الكثيب المتداخل الرمل، فالكثيب إذا استرق رمله تقول عنه العرب “العداب” وإذا انحدر يقولون عنه “اللبب” فإذا غلظت رماله، وانقطعت يقولون عنه “الشقيقة” وإذا لانت رماله يقولون عنه “رغام” وإن صعب عن البعير السير فيه فيقولون عنه”العانك”…
حمدت الله أن رأيت سيّارة من بعيد، تظهر حينا، وتغيب في انخفاضات الطريق أحيانا، فانتفضت واقفا، فلولاها ما سكت هذا البدوي، فكلّما ذكر اسما شعرت بالصغر، والتلاشي، وكل ما تعلمته من لغة العرب محاه هذا الراعي كما تمحي رياح هذه الصحراء أيّ أثر على رمالها.
وصلت السيارة، وجدت فيها من يفضح جهلي، فالعطب كان صغيرا، وبسيطا، ولكنّه رماني في الصحراء ليلة كاملة…
وقفت على منصة المؤتمر، صفق الجميع، بسطتُ أمامي ما لديّ من وريقات، أقرأها بتأنّي العلماء، لكنّي كلّما رفعت رأسي للحضور رأيت ذلك الراعي بملابسه الرثة ينتقل بين الكراسي وهو يصرخ في: لا يا سيدي، هكذا تقول العرب…هكذا تقول العرب… تلعثمت فصاحتي، واللسان أصابه ثقل الكلام، والصرح الذي بنيته من الشهادات العلمية تشققت أحجاره، كاد ذلك الراعي يجعله ركاما.

السابق
القناص
التالي
خداع

اترك تعليقاً

*