القصة القصيرة

تمرد الجني ظام

وقفت تبدل ملابسها بعد نهاية يوم عمل طويل في بستان البرتقال، تدللت كعادتها وتمايلت ثم دخلت في وصلة رقص جافة على وقع كفوف صديقاتها اللائي لم يتوقفن عن الضحك والمرح، كانت قد خلعت ملابس العمل وبقيت بقميص نوم خفيف شفاف، في قمة السلطنة حذرتها إحدى صديقاتها من غياب الشمس السريع وخطورة المنطقة المعزولة.
صاحت فيها: لو يوجد عفريت رجل يظهر لي..
فجأة، توقفت عن الحركة، جحظت عيناها، فتحت فاها حتى سالت منه رغاوي، كانت تحدق في شيء ما أمامها، بعد لحظات ارتعد جسدها كله بعنف ثم سقطت مغشيا عليها.
أسرعت الفتيات بتغطيتها ثم استدعين المهندس المسئول الذي أسرع بطلب سيارة خاصة لنقلها إلى أقرب مستشفى وذهب معها بصحبة بعض الفتيات.
لم تفق الفتاة رغم كل محاولات الإفاقة. كانت أسرتها قد وصلت. استمع والدها إلى ما حدث. طلب أخذ الفتاة على وجه السرعة. تعجب المهندس والطبيب الذي رفض خروجها فصاح فيه: لابد أن ننقذها. علاجها ليس هنا.
أسرع بحملها فتبعه المهندس متعجبا.
وصلوا إلى بيت منعزل بعد ساعة من السير في طرق متعرجة أكثرها غير مرصوف بين قرى متناثرة قليلة المنازل. كان على البيت ظلام رغم مصباح نور على الباب وتحيطه هيبة ولايوجد حوله كائن حي واحد. طلب الأب الإذن بالدخول فأذن له صاحب الدار. دخل المهندس خلفه والفتاة يحملها أشقاؤها. سمع الأب يتحدث بصوت خافت: أرجوك يا شيخ ساري أنقذني. البنت اتلبست.
وقعت الكلمات كالصاعقة على مفاهيم المهندس سامي. أرجعته قرونا إلى الوراء وألقته في عالم مواز سمع عنه كثيرا لكن لأول مرة يعيشه. اعتلته علامات غضب العلم العارم فصاح فيهم:
أيها الجهلاء. الفتاة في حاجة ماسة إلى علاج طبي. الطبيب قال أنها في حالة غيبوبة عميقة وتحتاج إلى تنفس صناعي ومحلول معلق.
فوجئ بالشيخ ساري ينظر له نظرة أرعبته. ثم أشار إليه غاضبا:
الشمس تشرق في موعد وتغيب في موعد. الموت له موعد. الحياة لها نهاية. وما تراه لا تراه. وما يراك تراه ولا تراه. مشاعرك مزيفة ووعيك كاذب. أنت ضعيف كالريشة في مهب الريح. لا تتحرك. حولك نار تكاد تأكلك. أنياب سوداء توشك أن تنهشك. أصمت وراقب ولا تتحدث.
وقف شعر جسده شعرة شعرة. عجز عن التنفس. لم يشعر بقدميه. وجد نفسه يجلس في مكانه كيوم جلس حين عاقبه والده للمرة الأولى. أوشك على البكاء.
طلب الشيخ إخلاء الغرفة إلا من المهندس والأب مع الفتاة. أشعل بخورا كثيفا وضع به أشياء غريبة زكمت أنوفهم. ثم بدأ في قراءة كلمات غريبة: البحر الأسود يطلق نارا، الأبواب الخلفية تفتح تواليا. يا صاحب الملكوت، اسمح بعبور المقصود من العالم الخفي، النار نار والقمر قمر، أعبر يا ساكن الجسد في سلام عبر اللسان الساكن وأخبرنا لماذا سكنت جسد عزة بنت صباح…
ثم أخذ يكرر الكلمات ويأتي بحركات عجيبة بجسده حتى فوجىء الجميع بالفتاة تشير بيدها إلى السقف ثم تجلس بعيون غائرة وكأنها عائدة من الموت. ثم سمعوا صوتا عريضا عميقا يخرج من فمها دون أن تفتحه وكأنه تردد عميق بين زمنين.: هي استدعتني فلبيتها.
سمع الشيخ والأب صوت ارتطام عنيف. التفتوا ناحية المهندس فوجدوه قد سقط مغشيا عليه. ثم سمعوا ضحكة شيطانية صادرة من الفتاة ثم تهكما وسخرية:
يظن نفسه ذكي قوي وهو غبي ضعيف كحال أغلب البشر.
نظر له الشيخ وقد أشعل مزيدا من البخور وردد بصوت غاضب المزيد من الكلمات الغريبة:
بحق عهد سليمان وقوة الخاتم آمرك أن تخرج من جسدها وإلا أحرقتك.
سمعوا ضحكا من جديد. ثم امتدت أطراف الفتاة حتى ظن والدها أنها ستتقطع. ثم ارتفعت وانخفضت وضربت رأسها في الحائط عدة مرات حتى سال دمها. حاولوا السيطرة عليها هم الثلاثة بعد أن أفاق المهندس على وقع الضوضاء لكنها نفضتهم جميعا كأنهم أعجاز نخل خاوية. هدأت فهدأوا. ثم تحدث بصوته الجهوري:
هل تظنون أنني أحب هذا العمل؟! لقد خرجت لتوي من رصد استمر لأكثر من ثلاثة آلاف عام على مقبرة حاكم مقاطعة فرعونية. ضحوا من أجل خروجي وفتحها لهم بثلاثة أطفال لم يبلغوا وفتاة عذراء وأب لخمسة أبناء ذكور. كان طعم دماءهم كافيا لي لتروي ظمأ سنوات الحرمان، جرت محاولات كثيرة طوال هذه المدة ولكنها لم تكتمل، كنت مغادرا عالم البشر إلى عالمي حين فوجئت باستدعائها. في عائلتي لا نستطيع إهمال نداء البشر. نحن جن الرصد أخذت من ملوكنا العهود على ذلك. هم يستمتعون ونحن نضيع عمرنا في جسد بشري غبي أو لحماية مقبرة لعينة،
عندي رغبة في الحديث لو أردتم. اشتقت لاستخدام لساني وعقلي. هل لديكم وقت.
تبادلوا نظرات متعجبة ثم ابتسموا بعد أومأ لهم الشيخ بالموافقة استغلالا لحالة هذا الجن العجيبة وخوفا من غضبه.
نظر لها الشيخ: هيا قل ما تريد، أو قولي ما تريدين. أنت تربكنا بوجودك في جسدها وتحدثك بلسانها.
للمرة الأولى تفتح الفتاة عينيها، لم يجدوا سوى جسم العين الأبيض، اختفت المقلة وانتهت معها قدرة المهندس سامي على المقاومة فأغشي عليه مرة أخرى، سارعوا بوضع المياه على وجهه لإفاقته. أفاق متفحصا الوجوه المحيطة به، الشيخ. والد الفتاة، ثم… الفتاة نفسها تنظر إليه مبتسمة وسائل أخضر ينزل من فمها وعيونها جاحظة بلا مقل، صرخ صرخة مكتومة ثم أغشي عليه من جديد. دفع الشيخ جسد الفتاة غاضبا.
تحدث الجني متعجبا: ماذا فعلت له هذا الضعيف المكابر، أين هو ممن كانوا يحاولون اقتحام المقبرة على ضوء خافت وفي حفرة ضيقة خانقة. ورغم أني كنت أطلق عليهم الفئران والجعارين وأطفئ أنوارهم وأطلق أصواتا عظيمة لم يكن الخوف يتمكن منهم؟ هل تصدق أن أحدهم اضطررت إلى أن أقتله بغلق الحفرة عليه لأستمتع بموته البطىء من شدة مقاومته وتحديه لي. وآخر استعان بابن عم لي وحاول أن يوقع بيننا بوعود كثيرة تعبت حتى أقنعت ابن عمي بكذبه فأحرقه حيا! فعلا هذا الشخص ضعيف جدا ومثله يمكن لحثالة قومنا السيطرة عليه.
تمكن والد الفتاة من إيقاظ المهندس سامي أخيرا. ثم عايره بما قاله الجني وطلب منه أن يسترجل قليلا.
تكور في نفسه بعد أن شرب جرعة ماء ثم جلس يراقب من بعيد. أعجبت الجني اللعبة فأصدر صوتا كعواء الذئب، صرخ المهندس، غضب الشيخ ساري وتوعد الجني لو لم يتوقف.
ضحك ضحكة خشنة جدا وارتفع بجسد الفتاة ثم هوى به، صرخ والد الفتاة يسترحمه، صمت الجميع قليلا واسترد المهندس أنفاسه. طلب الشيخ من الجني أن يعرفه باسمه وتاريخ ميلاده.
اسمي ظام من أتباع الملك ميمون أبانوخ، وولدت بعد الطوفان بألف عام، كنت أعيش في جزيرة وسط البحر الشمالي، كتب ملكنا معاهدة مع بشري على أن يسخر له مائة منا في مقابل حصة معينة من الزئبق وأشياء أخرى. لم يستطع أحد من قبيلتنا الإعتراض بسبب الظروف السيئة التي كنا نعيش فيها، جاء دوري بعد حوالي ألف عام أخرى.
الشيخ: كيف ذلك؟ لابد أن البشري قد مات.
– نعم. ولكنه ورث العهد لأبنائه.
-وكيف كان الرصد . وعلى ماذا؟
– يزداد الرصد صعوبة بمرور السنوات بسبب غضب الجن. يعني أنا كان يكفيني دم طفل لم يبلغ لو استطاع أحد الوصول إلي في الألف سنة الأولى لأن الرصد على دم طفل صغير. لكنني كنت أزداد غضبا وأتوعد من يأتي بشروط أصعب .
ابتسم المهندس للمرة الأولى وهو يتمتم: غبي.
فوجئ الجميع بالجني ينتقل بجسد الفتاة بسرعة غير معقولة حتى يمسك بتلابيب المهندس الذي استجمع كل شجاعته وأتبع: نعم غبي. تريد الخلاص وتزيد من صعوبة الشروط؟!
خلصه الشيخ من يدها بصعوبة بالغة وطلب منهما الهدوء والتعقل،
عاد جسد الفتاة إلى مكانه، سكن قليلا ثم لاحظوا جحوظ عين الفتاة فجأة وتركيزها ناحية الجدار الجنوبي، ثم أغمضت عينيها وحدث للجسد اضطراب عنيف جدا انتهى بأن ألقي الجسد على اجانب نقس الجدار وهدأ تماما، لم يلحظ والد الفتاة والمهندس سامي حالة الشيخ الذي تكور ركن الغرفة البعيد في حالة رعب كامل، ثم بدأ في الإقتراب ناحية الجسد الهادئ حتى وصل إليه ثم تمتم بصوت مسموع: ماذا يريدون منك؟
ارتبك جسد الفتاة بعنف ثم بدأت في البكاء والعويل ولطم الخدود وهي تصرخ: الملك يريد تسخيري من جديد، أنا لم أرتح بعد، وأريد الزواج وتكوين أسرة، هذا ظلم بين، لن أسمح لهم بسرقة عمرى.
– وماذا ستفعل في مصيبتك؟
– لن يستطيعوا مهاجمتي في هذا الجسد، أنا متحصن به.
– ولكنهم وصلوا إليك داخله؟
– نعم، ولكن لن يستطيعوا إخراجي منه، الجسد محصن ضدهم؟
– ولكني لن أسمح لك بالبقاء فيه.
– ومن أنت لتخرجني؟ ساحر ضعيف لا تستطيع حتى حماية نفسك وبيتك، لقد دخلوا بمنتهى البساطة.
– هل أنت غبي؟ ومن يقف في وجه رسول ملك من ملوك الجن، اسمع، سأعقد معك صفقة.
– أي شيء ما عدا خروجي.
– سأوفر لك جسدا آخر.
– ماذا تقصد؟
– أمامك اختيارات، قط أو كلب.
– الحيوانات ضعيفة وغير محصنة، ثم أنني أستطيع التشكل في صورة القط الأسود في أي وقت أشاء، فما الجديد؟
– سألقي عليك تعويذة تحجب الرؤية عنك.
– لا توجد مثل هذه التعويذة، ولا تجدي مع الملوك، لن أترك جسد هذه الفتاة إلى أن تموت.
أفاقت الفتاة للمرة الأولى، ظهرت عليها علامات الإرهاق الشديد، أسرع والدها باحتضانها بعد استئذان الشيخ، اطمأن المهندس سامي عليها ثم طلب من الشيخ أن تعود لمنزلها.
– لا يمكن، هذا الجن أصبح مطاردا، وقد يقتلون الفتاة للوصول إليه، لابد من إخراجه بكل الوسائل المتاحة، ولن تستطيعوا الخروج أيضا لأنكم الآن تحت الرصد، والبيت كله محاصر بجنود من الجن، نحن في موقف صعب جدا.
وقعت الكلمات عليهم صاعقة، لا خروج، لا دخول، لا اتصال بالعالم الخارجي.
انهار المهندس سامي من جديد وأخذ ركنا ينتحب فيه، بينما ظل والد الفتاة يحتضنها وهو يردد ما يحفظ من القرآن.
فجأة انطفأت الأنوار.
ثم صرخ الشيخ: اتركها، هيا، سيحرقونك.
ترك الرجل ابنته وعاد إلى الخلف وقد تمكن منه الرعب، رأوا الفتاة تحلق في الهواء وقد غابت عن الوعي مرة أخرى، ثم سمعوا صرخات خشنة جدا مرعوبة ترفض الخروج.
صاح الشيخ من جديد: أطلب الأمان من الملك الغاضب، افعل ما شئت بعبدك المارق، لكن لا تتخطى الحدود ولا تنقض العهود، وإلا أحذرك من غضب المارد حاكم ديار الربع الخالي، هو على بعد الدخول إلى العالم المأهول.
وقعت الفتاة على الفراش، عادت الأضواء، نظر الشيخ للفتاة.
– لم يعد هناك وقت، أمنت لك خروجا إلى صاحب العهد، فلا تتردد ولا تخاف، الموت يحيط بك، واللعنة على وشك أن تصيبك.
ناحت الفتاة بالصوت الخشن، ثم جلست في وضع القرفصاء بانحناء عجيب:
– لن أخرج، سأعلن الحرية، الموت أهون عندي من العودة إلى ذل الرصد، أريد أن أتزوج وأكون أسرة، اللعنة، اللعنة.
انتفض جسد الفتاة بعنف، أغشي على المهندس، غرق الأب في بحر دموعه، ارتفع صوت الشيخ بالترانيم غير المفهومة.
ذهبت الأضواء من جديد، ظهرت في الغرفة عيون حمراء متناثرة في كل مكان، ارتفع صوت الشيخ، ارتعد جسد الفتاة بعنف، انهار المهندس والأب، عادت الأضواء، كان أكثر مناظر حياتهم رعبا، مجموعة من الأقزام لا تزيد عن نصف متر بآذان طويلة وأنوف مجعدة ورؤوس مستدقة وعيون جاحظة وأردية غير مفهومة تحيط بالفتاة، ثم ضرب أحدها على قدمها فالبطن ثم أسفل الفم، صرخت الفتاة بلغة غير مفهومة، ازداد الضرب عنفا حتى سمعوا صوت تحطم عظامها، حاول الأب الاقتراب فاصطدم بحائط خفي، كأنهم في عالمين مختلفين.
– أيها البشريون الضعفاء، سيقتلون فتاتكم، افعلوا شيئا.
نظر الأب للشيخ، أومأ له برأسه يمينا ويسارا.
شقوا صدر الفتاة واختفوا جميعا داخلها، أخذت تنتفض بعنف، خرجوا بعد قليل وهم يحملون أسيرهم، أطول منهم قليلا، نظر للشيخ بعين نارية تمتزج بين الخوف والغضب، اختفوا خلف الجدار الجنوبي، هدأ كل شيء.

السابق
غفوةٌ
التالي
الديك

اترك تعليقاً

*