القصة القصيرة جدا

توأم الذاكرة

كعادته اليومية يجلس في ركنه الصباحي يردد أذكاره الغريبة بدقة لا يُخلف ترتيبها؛ بين كفيه رجاء لا ينقطع وفي عينيه خوف من مجهول، ورأسه يحركه بانتظام…
قبل أن أذهب إلى عملي أُلقي عليه التحية يردها لي بنظرات امتنان، فلسانه مشغول لا يتوقف.
أذكر ذلك اليوم وأنا في غاية التخبط والانهيار حين خانتني خطيبتي مع صديقي المقرب، كان الجميع يحاول تهدئتي إلا هو تملأ ضحكاته الهيستيرية المكان وترتفع مع تزايد غيظي؛ أما يوم زفافي على ابنة خالتي بعدها بشهور كانت دموعه تسبق صراخه وألمه حتى مع وجود الطبيب المداوي إلى جانبه!…
كلما أتيت لزيارته وأبنائي الأربعة في سنواتي المتعاقبة قهرا، تستقبلني بسمته النقية من عينيه اللتين تبرقان حزنا وبراءة..
الآن أجلس في زاويته المعتادة أتناول فنجان قهوتي بيدين مرتجفتين فوق كرسيه المتحرك؛ أشعر بابتسامته تحيطني دون لعابه الذي يسيل من بين أسنانه المتفرقة، أرى نظرات الشوق بادية عليه،؛ يداه المتعرقتان تمتد لتلامس وجهي مع حركة جسده المعاق الذي أصبحت أُشبهه؛ وروحه التي قاسمتني رحم أمي زمنا تناديني.

السابق
قراءة نقدية في نص “سماء أقل”
التالي
قراءة نقدية في نص “توأم الذاكرة”

اترك تعليقاً

*