القصة القصيرة جدا

تواطؤ

فرك الأستاذ (لمعي مظهر) الناشط الحقوقي الشهير يديه جذلًا، بعد انتهائه من إرسال تقريره الهامّ عبر البريد الإليكتروني، إلى مصدر أممي رفيع المستوى. بعد دقائق تلقى على بريده صورة الشيك الدولاري الشهري، الذي ينتظره على أحرّ من الجمر. هزَّ رأسه متعجبًا ثم استغرق في ضحكة هازئة طويلة: تقرير كهذا كان من الممكن في الماضي أن يتسبب في إعدامه شنقًا، بتهمة الخيانة العظمى، والتخابر مع جهات أجنبية.
أما اليوم، وتحت راية منظمات المجتمع المدني، فإنه يعدُّ عملًا نبيلًا يقرُّه القانون، ويدرَّ عليه دخلًا وفيرًا في صورة تمويل دولي شرعي، ويجني من ورائه شهرة عالمية، باعتباره رمزًا للمعارضة الوطنية، التي تكشف سوءات حكومته على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية.
تضمّن التقرير الأخير رصد انتهاكات صارخة، بحق المرضى في أشهر مشفى نفسي حكومي، معززة بالصور والفيديوهات الموثقة، والتي تحرك كوامن الغضب في نفوس أحرار العالم، وتذيب الجبال شفقة ورحمة بالبؤساء، الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلًا.
أسفرت جهود (لمعي بك) عن تكوين لجنة تقصي حقائق عليا من السادة النواب. اقتحمت اللجنة المشفى في زيارة (مفاجئة) مطلع الأسبوع التالي. أكد تقرير النواب صحة وقائع التعذيب بحق العديد من المرضى، وثبوت حالات من المعاملة غير الإنسانية يندى لها جبين البشرية.
عقب مناقشة التقرير الأسود في مجلس الشعب، تقرر غلق المشفى وإحالة المسئولين المتورطين إلى القضاء، وتسليم المرضى المنكوبين لذويهم لحين إشعار آخر.
بعد تبرئة المسئولين وإدانة صغار المشرفين والممرضين، انطلقت حملة صحفية منظمة تقرر على أثرها هدم المشفى العتيق، وبيع الأرض بمبلغ خرافي لمستثمر أجنبي كبير، لتحويل المكان إلى منتجع سياحي عالمي، مع بناء مشفى جديد في منطقة نائية.
تبين أنَّ الناشط الحقوقي الأشهر (لمعى بك مظهر) كان هو الوسيط في صفقة القرن.

السابق
وشاية
التالي
حلم وسادة

اترك تعليقاً

*