مقالات

توظيف اللهجات العامية في القصة القصيرة

الملاحظ أن الكثير من السادة الأساتذة المهتمين بالفنون القصصية ، خصوصا القصة القصيرة يميلون في نصوصهم ، إلى توظيف اللهجات العامية أو ، المحلية ، وهم في قرارة أنفسهم يرومون تقريب المعنى للقاريء ، وهم لا يدركون أنهم يدمرون تلك العلاقة التي تربطهم بالقاريء ، وتسيء إلى ما يتوخاه من هذا المبدع أو ذاك ، بصفة عامة ،و أنا هنا لا أنقص من قدرة اللهجة العامية على توصيل المعنى إلى المتلقي ، لكن هل بإمكانها أن تخلق تلك الجماليات والمتعة التي يبحت عنها القاريء ، وأقول أن اللغة تعتبر هي عصب الحياة بالنسبة لأي فن أدبي كيفما كان لونه ، أو نوعه ، فالمبدع ، بطبيعة الحال عندما يبدع يروم أبداع وخلق الجديد المؤثر في نفسية المتلقي باعتباره من أهم أسس العملية الإبداعية برمتها ، وهو الأساس في أي إنتاج كيفما كان نوعه ، ألم نطرح على أنفسنا السؤال التالي : ماذا يريد المتلقي تحقيقه من الإنتاج الأدبي سواء كان نثرا أو شعرا ،لن أنوب عن القاريء ، ولست مخولا للقيام بهذا ، وإنما انطلق من موقفي الشخصي كقاريء مجتهد يميز ما هو جميل وما هو قبيح ، ما هو حسن وما هو رديء ، وربما هذا السلوك الذي ينهجه الكاتب ، قد يضر بالعملية الإبداعية ، عندما يفكر في أن يقرب المعنى من القاريء ، من خلال توظيف العامية ، وفي قرارة نفسه أن تسهيل نقل المعاني سيحقق رضا القاريء ، أقول وهذا طبعا موقفي الشخصي ، أنه يرتكب خطأ لأن نقل المعنى مسؤولية الصحفي ،أو أي نوع آخر من الكلام ، المباشر ، والعادي ، القاريء يطلب الجمال ويبحث عن المتعة الفنية في اللغة ، وفي الصورة الجميلة الشبيهة بالصورة الشعرية ، قد تستقيم العامية في الزجل ،أو الشعر الشعبي ، لكن هل يمكنها أن تؤدي إلى تحقيق الهدف في القصة القصيرة ؟؟ قد نستعمل اللغة العامية في القصة القصيرة لكن على سبيل التناص ، أي تناصص القصة مع نصوص أو عبارات أو جمل أو فقرات بالعامية ، لكنها لا تخل بجماليات السياق ولا تؤثر في البناء اللغوي العام للنص ، مع إبراز توظيفها أو الإشارة إلى أنها دخيلة على لحمة النص ، فالقص كلام فني ، له خصائصه وله لغته الخاصة به التي لا تخلو من انزياح وبلاغة غموض تساهم بشكل أو بآخر في تحقق التكثيف المطلوب ، وتكون ذات تأثير فني في نفس القاريء ، يقول الجرجاني في كتابه( أسرار البلاغة) :” الكلام الفني قول راح السمع يسترقه أو يختلسه اختلاسا وهو يتنصت على النائي والعميق ” عجبت لأناس يوظفون اللهجة العامية في النص القصصي ، ويتحول في كثير من الأحيان ، إلى نص مبتدل يشمئز منه السمع ، خصوصا توظيف اللغة المحلية ، فالكاتب عندما يكتب لا يختار قارئه إطلاقا فمادام القاريء افتراضيا خارج حدود الزمان والمكان ، فالنص بالضرورة يجب أن يخرج عن حدود الزمان والمكان أيضا ، فعالمية الأدب لا يمكن أن تتحقق عندما يخاطب قارئ (بضم ياء المضارع) بعينه وبلغته المحلية وفي قرارة نفس الكاتب أنه أعطاه فنا قصصيا ، لا أعتقد ذلك ،كبار المبدعين وظفوا اللهجة العامية ، لكن بأية طريقة إبداعية وظف هذا النوع من اللغة ، وفي أي مقام ، وفي أي مقال ، فنجيب محفوظ وظف العامية وإميل حبيبي وظفها كذلك لكن بطرق إبداعية تجعل القاريء يستسيغها بل توقظ عش الدبور في ذهنه لطرح تساؤلات تجعله يساهم بشكل أو بآخر في إعادة بناء القصة ،وليس توظيفا مبتدلا ، مباشرا ينقل بعض الأفكار ، قديما قال النقاد العرب ( المعاني مطروحة في الطريق ) وهم يهدفون إلى تحقيق جماليات اللغة على مستوى التركيب والإسناد وليس نقل المعاني التي تتوفر عند الجميع ولكن تختلف طرق نقلها ، قد تنقل أحداث شجارفي الشارع للمتلقي ، بأسلوب مباشر بالعامية ،فيقتصر على تلقي الخبر دون أن يثير في نفسه أي إدهاش أو غرائبية ، أو شعور بنشوة متعة الخبر ، عكس الذي سينقله له بأسلوب فني قصصي يستفز فيه ملكة التخييل والتحليل والتفسير ومن تم الشعور بالانتشاء وهو يفكك رموز القصة رغم بساطة الحدث ، يقول تولستوي :” إن الكاتب الجيد يستطيع أن يكتب قصة كاملة من شجار رآه في الشارع ” كما يقول كاتب روائع (زوربا )و(الإخوة الأعداء) :” يكفي قلم وورقة بيضاء ومتسع من الوقت وعزلة وضحك متبادل مع شخص حبيب لترى النور روائع أدبية جديدة ” هؤلاء العمالقة في الفن السردي لم يوصوا بتوظيف اللغة العامية في النصوص السردية إلى حد الابتدال ، وفي بعض الأحيان تجد اللغة العربية الفصيحة( تسير جنب الحيطة ) كما يقول إخواننا المصريون أمام نظيرتها العامية ، فإذا كانت القصة القصيرة كفن صعب المراس ، يستهدف منها التكثيف الذي هو الركيزة الأساسية في هذا الجنس الأدبي ، يفرض علينا ذلك أن نجتهد لتوظيف لغة مبنية أساسا على جماليات الإسناد والتركيب لأن هذا هو ديدن الانزياح الذي يحافظ على عامل التكثيف في النص ، يقول الجرجاني ( الكلام الناجح ، شدة ائتلاف في شدة اختلاف ) ، ويقول كذلك :” وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كان إلى النفوس أعجب وذلك في موضع الاستحسان ومكان الاستطراف ، إنك ترى الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين “. في كثير من الأحيان ما يحكم المبدع قبضته على القاريء من خلال اللغة التي يوظف أذ يحافظ من خلال توظيف الرموز في لغته إلى بعد فاصل بين النص والمتلقي ، وهذا البعد يجعله يجتهد ويكد من أجل تفكيك الرموز والشعور بشهوة اختراق الخفي والمستور في هذا النص ، وبالتالي يساهم بشكل أو بآخر في إعادة إنتاج النص ، أما أن تقدم له نصا تغلب عليه اللغة المحلية ، فماذا ستنتظر منه ، ربما قد يضر ذلك بقبول النص من طرف المتلقي فيكون الكاتب قد ضيع جهده سدى ، فالرقي باللغة ،ضرورة ملحة ،لإحكام السيطرة على القاريء خارج حدود الزمكان !!!

السابق
تعارفٌ
التالي
عَرْض..

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. اللغة هي الثوب الذي يكتسي به العمل القصصي، وكذا هو الحال عندالبشر قد يصنع الثوب من قماش باهض الثمن، ومع ذلك قد تنفر منه الأعين ولا تتقبله، بل إن الذوق الرفيع يستهجنه و قد يكون الثوب بسيطا غير مزكرش مقبولا يسر له الخاطر، واللغة المثقلة بالتزاويق اللفظية تنفر القارىء و تضيع منه المعنى الذي قد يكون غير موجودأصلا وتم الإتيان بهذا
    التنميق اللفظي للتمويه عن ضعف المعنى وغياب الهدف من القصة، وقديؤدي الأسلوب الركيك إلى إفساد القصة و المعنى مهما كان الموضوع قويا و قد ثار جدل بين أنصار اللغة الفصحى واللهجة العامية ،ومن الجدير أن نذكر في هذا المقام أن اللهجات غير موحدة بين أبناء القطر الواحد، بل تتنوع أحيانا بين أبناء المدينة الواحدة،وبالتالي إن الدعوة إلى اللجوء إلى العامية في الأدب هي دعوة لتمزيق وحدة العرب والنيل من اللغة العربية الفصحى و هي لغة القرآن الكريم.

اترك تعليقاً

*