القصة القصيرة

تَنَازُعٌ…

هناك في مدينة منسيّة، نسيَ التاريخُ اسمها ، مكانها، و شكل أبواب أسوارها. أشجارها منذ عقود لم تطرح الثمار، و العشب في أرضها أصابه اصفرار، الغيمة من سمائها تفرّ إذا ساقتها الرياح، و ضوء شمس صبحها إذا أطلّ بعد طول ليلها، متعب، أرهقه السهر. أطيارها ألحانها حزينة، من أين يأتي لحنها الجميل، وكلّ شيء هاهنا يخنقها ؟ يسرق النغمات من حناجرها، هجرتِ الأوكار قبل موسم الرحيل . جدرانها سجلّ ذكريات أليمة، شوارعها ، ميادينها، دنّسها الغزاة، و الطغاة.
الناس فيها أسمال بشر، الوجوه شاحبة، مصفرّة كئيبة، كأنّها خريف في لونه المميت . العيون غائرة، كأنّها مقابر في الوجوه حُفِرتْ، خَفَتَ بريقُها، لم تبق منها قبسة من أمل الحياة . قاماتهم منحنية، أثقلها حمل السنين .
هناك في المدينة ، في أقصى المدينة، رجل مازال يحمل في قلبه بريقا من أمل، مازال يعتقد بأنّ في الحياة شيئًا يستحق من أجله أن يُعاش ، لا يعرف من أين تسرّب إليه هذا الاعتقاد، فكلّ شيء في المدينة ينذر بالخاتمة .
قرّر الرحيل، فالبقاء في مدينة الموت، موت، لَمْلَمَ أغراضَه البسيطة ، كتباً في الفلسفة، وحكمًا للقدماء ، وبعض أوراق خربش عليها أفكاره المشتَّتة ،وبعض حلم ضائع في عتمة المدينة .
الطريق وحشة، كوحشة القبور، أشجاره عالية تشابكتْ أغصانها. في كلّ خطوة، عثرة، وسقطة، وجرح جديد. تمطّط الطريق ، والخطى أتعبها المسير. لو كان للطريق رفيقٌ، لهوّن عليه عذاب رحلة مرميّة في عتمة المجهول .
هناك من بعيد، تحت شجرة فوضوية الأغصان، والأوراق، والظلّ، رأى شيئا كأنّه بشر. لعلّه مسافر مثله رمته عتمةُ مدينته للبحث عن أمل في أرض جديدة ، اقترب منه . شيخٌ كأّنّ السنين نشّفتْ عوده، فتحنّط في عمر الخمسين، ملابسه أسمال ، الحزن في وجهه تكاد تسمع أنينه من قبل أن تراه ، الجلسة قرفصاء، و اليدان أشتبكتا في آخر الرأس، كأنّ في تفكيره ثقل أتعب الرأس فارتخى.
تسالما، تراحبا، تآنسا..
ــ أراك أيّها الشيخ مثلي، نفثتك الحياة، فغدوتَ في عتمة الغابة باحثا عن حياة جديدة .
التفت إليه والعينان بلون الشفق المدمّى من رحيل الشمس .
ــ يا صاحب العمر القصير، أُبْتُلِيتُ برفقة كلّ أصناف الحيوات ، فما انتهتْ ، ولا فُنيتُ.
ــ من تكون أيها الشيخ؟ أرى في كلامك عُجْمَةً.
ــ يا رفيقي في المكان ، لا تخف مني .. أنا الشيطان.
تروّع منه، وارتاعتْ كلّ مفاصله خوفًا وهلعًا. حاول الفرار ، لكنّ رجليه حكمتْ عليه بالبقاء.
ــ يا صاحب العمر القصير، أراك فزعت مني، وهرعتَ. لعلّك قدري في طريقي، وأنا قدرك في وحشتك . فما أخرجك؟.
ــ يا أيّها الشيطان، مدينتي خنقتني، خرجتُ أقتفي آثارَ حلم بحياة جديدة . ولكن ما أخرجك و أنت صاحب القدرات العجيبة، والفريدة؟. أم تعوّدت الخروج كما أخرجك الله بعد معصيتك من الجنّة ؟
بدأت عليه ارتعاشة في اليدين ، واهتزاز في الحاجبين ، لعلّ كلامه أحرجه، جرحه …
ــ هل تراني إن عصيتُ الأمرَ قد كفرتْ ؟ فأنا مثل مَنْ أطاع الأمر بالتوحيد قد آمنتُ .
ــ لكنّ رب العزّة قال أنك كفرت، و أخرجت أبوينا من جنان كانا فيها منعّمين.
ــ يا رفيقي في السفر، إن عصيت الله مرّة ، أنتم البشر تعصونه في كلّ يوم أكثر من ألف مرّة .ألم ينهكم عن السرقة فسرقتم ؟ ألم ينهكم عن الكذب فكذبتم؟ ألم ينهكم عن الظلم فظلمتم ؟ ألم ينهكم عن القتل فتقاتلتم ؟…
ــ تريّثْ يا رفيق الوحشة ، ألستَ أنتَ من أغرانا ،وأغوانا، ووسوس لنا ، واحتنكنا، واستفزّنا …؟.
ــ إن كنتُ أغريتكم، وأغويتكم ، ألم تكن لكم شرائع تمنعكم وتحذّركم من اتّباعي ؟ و إن كنت وسوستُ لكم، ألم تكن لكم عقول تحصّنكم وتحميكم مني؟ …
ــ مهلاً..مهلاً.. لا تنسى أن لك قدرات فائقة علينا.
ـ أراك قد أثّر فيك كتاب ” تلبيس إبليس” حمّلني كل مصائبكم، و انهيار انسانيتكم، جعل الكون كأنّه قبضة في يدي، و أنَّ لي في كلّ أمر قدرة وتدبير. أنتم دوما يا أصحاب الأعمار القصيرة تكرهونني ،و تلعنونني، وتحمّلونني أوزاركم.
ــ لكن منّا من كتب عنك ” مأساة إبليس” ، نزّهك من كلّ معصية ، ورفعك فوق الملائكة والبشر، و منا من جعلك معبوده ، يتعبّدك ويقدم لك القرابين زلفة…
ــ دعنا من هذا… وتعال أُسْلُك معي طريقا أجمل وأسهل ممّا أنت سالكه.
أطاعه.. ترافقا في الخطى. سمعا أثناء سيرهما جلبةً وصراخًا وأصواتًا بعيدة ، اِخْتَبَآ خلف التلة ، رأيا قتالاً ،أشلاءً، دماءً …الكلّ يسعى جاهدًا لأسْرِ أخيه، وسَلْبِه، وقتْلِه… انحصرتْ فيهم الحياة، انتشر فيهم الموت. التفتَ إلى الشيطان، رأى في عينيه ابتسامة يكاد يخفيها ، إلاّ أن العيون تفضح ما أخفتِ النفوس . عرف مكره، هرب منه، و عنه.. اتّخذ لخطاه طريقا وعرة ، لكن كلّما التفتَ وجد الشيطان كظله يردّد في أذنه : تعال معي، أعرف طريقا أجمل وأسهل …دفعه بقوة، طرحه أرضًا، قرأ ما استحضر من آيات صرف الشياطين … وانصرف بسرعة لتأكل خطواته مسافة الطريق المتشعّب . سمع صوتا جديدا يقول له : تعال معي، أعرف طريقا أجمل و أسهل…التفتَ حوله، لم يجد أحدًا ، لكن الصوت مازال يتردّد .تأمل ذاته ،وجد الصوت يخرج من داخله، ارتمى فوق صخرة، أشبك يديه في مؤخرة رأسه متحيّرًا : الشيطان دفعته عني بقوة، فما السبيل لما في داخلي؟ .

السابق
جرم
التالي
جُـمُـــوحٌ

اترك تعليقاً

*