القصة القصيرة

ثنائيات غريبة

– كاد الفقر أن يكون كفرا…وكاد الحلم أن يكون كابوسا..
رددها عمر في قرارة نفسه وهويختلس النظر إلى ثنائي غريب يجلسان أمامه…في مقهى الوداديات…في ذلك الصباح ….

طاولة مستديرة من الرخام الأخضر والإينوكس …كراسي خشبية مغطاة بأثواب ناعمة …. عصير وقهوة وماء بارد وهلاليات … مطفأة زجاجية وولاعة وعلبة سجائر أمريكية…

شاب في ريعان الشباب…لا يتجاوز عمره 27 سنة… ربع القامة …شعر طويل ذو ضفائر طويله يبدو وكأن أخطبوطا كبيرا متعدد الأرجل قد اعتلى رأسه…لحية صغيرة تدلت من ذقنه وقد عقفت في آخر شعيراتها من كثرة التلاعب بها وجرها وليها إلى الأمام…لو عرض نفسه على طبيب نفساني لكانت له معه جلسات وجلسات وبطبيعة الحال بلا نتائج ولا حلول…وسيخرج من عنده في آخر المطاف بإضافة طحالب بحرية على تلك الرأس التي اشتعلت هما وحلما…عينان غائرتان يعتريهما السهاد وقلة النوم ربما ذلك ناتج عن كثرة ما يتعاطاه من منشطات ومخذرات…نظارات سوداء تدلت على صدره لا يمسكها سوى قميصه المزكرش وكأنه لوحة تجريدية للفنانة التشكيلية المغربية طلال الشعيبية…سروال أو بالأحرى مئزر جينزي أزرق…به رقعات هنا وهناك…نعل تافراوتي أصيل…وقد أخذت الأساور الجلدية مكانها من عنقه ومعصم يده…

وقريبا منه وعلى الكرسي الآخر جلست امرأة في عقدها الخامس أو أكثر … تسريحة شعرها شبابية ذكورية … ما زالت شقرة الغرب بادية ببعض خصلاته…تجاعيد أخذت مكانها على وجهها وجيدها وإن حاولت التخفيف منها بمساحيقها الطبية وغير الطبية … لم يخل أصبع من أصابعها من خاتم … خواتم ذهبية وفضية وحتى البلاستيكية…وبكل ألوان الطيف…نظارات كبيرة اعتلت شعرها بإطارها البنفسجي الخفيف…قميص لم يخف كل جذعها …ظل جزء من صدرها عاريا … أما الجزء الأسفل فكان يغطيه سروال أسود لاصق تدلى حتى لامس حذاءها الأبيض ذا الكعب العالي…مما جعلها أطول من صديقها بسنتيمترات قليلة….
لم تسكت عن الكلام منذ جلوسها…لغة إنجليزية تتخلها كلمات فرنسية…غالبا ما كان صاحبها يرد عليها بإيماءة أو ابتسامة أو إشارة…أو يرد عليها بلغة فرنسية محتشمة…كلماته لم تكن تخرج عن ok ،bien، exactement ، waw،وعند كل ابتسامة كانت تجره من قفاه و تقربه إليها لتقبله ثم تمسح بمحرمة ورقية ما تركته من أحمر الشفاه على شفتيه أو خذه…

ما زال عمر يرشف قهوته …ويتصفح جريدته المعتادة…ومرة مرة يختلس النظر أو يلقي السمع إلى ذلك الثنائي الغريب حقا… إنه يعرف الشاب جيدا…فهو من المنطقة نفسها…لم تسعفه قدراته على متابعة الدراسة …و لم يستطع التأقلم مع ظروف محيطه المدرسي والاجتماعي والاقتصادي مما جعله أكثر من مرة ينقطع عن دراسته…ويلزم الشواطئ والمقاهي وأماكن السياح الأجانب…ويفكر أكثر من مرة إلى الهجرة السرية المميتة في أغلب الأحيان إلى الضفة الأخرى …جزر الكناري…التي تبدو في بعض الأوقات أنوراها الساطعة من بعيد…وكثيرا ما كان يردد هذه العبارة حينما يحاصره أصدقاؤه وأفراد اسرته ومعارفه بالنصائح والعبر والمواعظ :
– اللهم العيش مع القرشان أو البقاء مع العربان…

ابتسم عمر حينما تذكر تلك العبارة وهو ينظر إلى صاحبها…يبدو كأخطبوط دسم أمام قرش هرم لم يعد قادرا على افتراس الأشياء الكبيرة التي تحتاج أسنانا حقيقية …وإنما تكفيه قطعة لحم أو حبار طرية من هنا أو هناك…فأسنانه اصطناعية هشة…

ما زال الحديث جاريا بين الماضي المتحكم والمستقبل الهش الغامض…وكل ينظر إلى الجهة المشرقة من الطرف الآخر…هو ينظر من خلالها إلى الضفة الأخرى التي أعيته كل الوسائل للمرور إليها…تبدو له أوراق ثبوتية جاهزة وقانونية …وهي تنظر إليه من خلال شبابه وفتوته وقدرته …والاستمتاع بآخر دقيقة من عمرها…حتى وإن انفجر أو اختنق فأمثاله كثيرون …ولها من سحر المادة ما يكفيها للاختيار بينهم فقط…وليس لها الوقت للبحث عنهم….فأمثاله من يبحثون عن أمثالها… دخان السجائر يتصاعد من فميهما وأنفيهما مشكلا علامات استفهام وتعجب قبل أن يتلاشى في الهواء ،تتبعها رشفات من العصير والقهوى وقضمات من الهلاليات ،وضحكات متبادلة وقبلات غالبا ما تكون من جانب واحد تتلوها محرمة ورقية للمسح والتنظيف… ثم غادرا المقهى وكل منهما يشد خصر الآخر واختفيا بين زقاق صغير اكثر بناياته من الحجر والتراب والخشب والقصب…

وما كاد عمر يصل إلى تعبئة شبكة الكلمات المسهمة حتى دخل ثنائي غريب آخر إلى المقهى ولم يجلسا إلا في نفس الطاولة التي كان عليها الثنائي الأول…الأمر غريب ولكنها الحقيقة كما يقال…

فتاة في أول شبابها…لا يتجاوز عمرها 25 سنة و هي كما يقول محمود درويش في إحدى قصائده:

“جميلة
كالتقاء الحلم باليقظة
كالشمس التي تمضي إلى البحر
بزي البرتقالة ..
جميلة
كالتقاء اليوم بالأمس
و كالشمس التي يأتي إليها البحر
من تحت الغلاله “،
غير أن جمالها لم يكن واضحا ،كان يخفيه الدخان الذي ينبعث من فمها ، وكأنها مِدْخَنة من المآسي والأحزان والآلام…بل كأنها مِشْعَلة من الماضي الكئيب والذكريات الأليمة التي تتبعها فتريد التخلي عنها بأي شيء ولو بافتراش جسدها لكل من دب وهب فقط أن يكون غنيا غير بخيل…من جهة ومن جهة أخرى كانت تضع نظارات لم تحسن اختيارها…أو أنها تعمدت وضع تلك النظارات لأمر في نفسها…

وقريبا منها وعلى الكرسي الآخر جلس رجل في عقده السابع أو أكثر ،لا توجد و لو شعيرة واحدة على رأسه…بعض تجاعيد الزمن أخذت مكانها في وجهه…. منذ جلس وهو يضع أنامله مرة مرة على شعرها الأسود ثم يزيل خصلة على عينها وكأنه فنان تشكيلي ينجز لوحة أخرى أو يعيد تشكيل لوحة أخرى من لوحاته المنتشرة في العالم كله….ويختمها بلمسة على وجنتها المتوردة كتوقيع له لن يمحوه الدهر وإن طال الأمد…

كل ما اشتهت له نفسها وضعه النادل أمامها…عصير ليمون كبير …حليب بالشكولاطة…هلاليات و مكعبات غزالية…ماء بارد ، مثلجات …واكتفى صاحبها بعصير من الأفوكا…وقهوة سوداء بلا سكر….ولماذا يحتاج السكر وكل الحلاوى حية ترزق أمامه…منه الطلب ومنها الانتشاء…

أعاد عمر النظر إلى الشبكة ، لكنه لم يستطع تعبئتها…ذهنه وسمعه معا مع الثنائي الجديد …تحدثا عن المنطقة …عن شاطئها الذي حاز باللواء الأزرق لمرتين متتاليتين …تحدثا عن الضفة الأخرى من قارتها…أخبرته أنها تعشق بلده وجار بلده بل وكل البلدان المجاورة لبلده إلى حد الجنون…وعدها بمرافقته إلى هناك بمجرد إعداد الوثائق الثبوتية ومن بينها عقد النكاح إن سارت الأمور على ما يرام أو ما يروم هو …أخبرها بأنه سعيد جدها بتواجده معها …وأنه وكل ما يملك رهن إشارتها… ابتسمت له حينما مرر أنامله مرة أخرى على شعرها الأسود وأزاح خصلة من شعرها على عينها التي انطلق منها بريق أخاذ…ثم ختمها بلمسة على خذها المتورد…لكن هذه المرة انتابته كحة آلمته كثيرا في صدره…حاول التغلب عليها برشفة من عصير الأفوكا بينما أخذت الفتاة تطبطب على ظهره بحنية وخفة…

رشف عمر ما تبقى من قهوته ،تأبط جريدته من دون أن يعبئ شبكتها…وضع قطعة نقدية في الصحن الصغير على الطاولة وهو يشير إلى النادل …
خرج من المقهى وهو يردد في قرارة نفسه:
– مصائب قوم عند قوم فوائد …وفوائد قوم عند قوم مصائب…

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
الأفطس
التالي
غزاويون

اترك تعليقاً

*