قراءات

ثنائية الدال والمدلول في نص “الشيخ والغواية”

للكاتب أحمد حاجي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مقدمة:
كان التنظير النقدي يرمي، في قسم كبير منه، إلى الوصول إلى نقد تطبيقي موفق ومقنع للآثار الفنية أو القصصية، خاصة وأن التطبيقات النقدية على النص السردي تعود هي بدورها لتسهم في توسيع آفاق النظرية النقدية، والمفاهيم الأدبية على حد سواء.
وفي ضوء ما قرأت، أزعم أنني حاولت، قدر الممكن، الكشف عن هواجس الكاتب، وعن رؤاه الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتحديدا ثنائية الدَّال / المدلول في ثلاثية الشيخ والغواية. 

أولا : الظاهر والباطن:

للنصوص الأدبية عمق وسطح ظاهر مصرّح به وباطن ملمّح اليه وعلى القارئ أن يعيد الصياغة من جديد وأن يعيش مرحلة مخاض الحرف و الكلمة فيولد المعنى من رحم المبنى هكذا نلج عالم النص ونميط اللثام عن رموزه وخباياه ونبحث عن حقيقة البوح في ثناياه.

العنوان
نحن الآن إزاء قصص قصيرة ثلاث عنوانها “الشيخ و الغواية” لعلّ هذا العنوان يعيدنا إلى همنجواي وبطله الشيخ سانتياغو ذلك الصياد المنكود الذي لم يحالفه الحظ في الصيد لمدة أربعة وثمانين يوما يتمكن بعدها من صيد سمكة يقوم باغوائها كي تحجب عنه غيوم خيبات وهزائم والشيخ في الحكايات العربية يحضر غالبا ليمثل صوت الحكمة والتبصّر ولعل هذا الشيخ من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون.

 الدال والمدلول:
إن الجامع بين هذه القصص الثلاث حدث الموت و قد بدا في صورة حجر في القصتين الأولى و الثانية وتشكّل ليصبح بعثا و حياة جديدة في القصة الثالثة هو حديث عن الموت إذا و قد بدأت علاماته بل سكراته _ تغشى الأنا _ في القصة الأولى ولعلّ التكرار الموجود في عنوانها _ أنا أنا _ دليلا على أنّ البطل يعيش حالة خاصة جدا تخصّه هو دون غيره للتأكيد على التفرد و الإنفراد بالموت تجربة إحساس بالفناء يعيشها الفرد بمعزل عن الآخرين
_ هي لحظة موت اذن و مفارقة للحياة و اشراف على التحجر و الثبات لهذه اللحظة قدسيتها ورهبتها.
وقد جعل الكاتب أجواء القداسة توشّح النص و تشعّ بين ثناياه انها قداسة لحظة صعود الروح إلى بارئها هي حالة من الخرس و الصمت _ ألقمت حجرا فمي _ وهي حالة من جمود و اعاقة للحركة _ كنت ذلك الحجر  _
و تتواصل أجواء القداسة من خلال مشهد تقبيل الحجر _ حجرا قبلته _ مشهد ذكرنا بتقبيل الحجر الأسود كطقس من طقوس الحج والعمرة إضافة إلى قدسية الزمان و هو الرابعة فجرا اذ هو محيل على السحر وقت السحور للصيام ووقت الوضوء للصلاة ولعل الكاتب قد دقّق الزمان ايمانا منه بحتمية الموت فالمنية لا تتراجع إن إذا نادى مناديها يقول تعالى _ اذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون …
هذا بالنسبة الى القصة الأولى أما القصة الثانية فهي تمثل مرحلة ما بعد الموت و انتقال الروح إلى عالم البرزخ الغيبي ..
ففكرة الموت في الإسلام فكرة منهجية إذ أن الحديث عن (الموت) هو حديث عن مفترق طرق و برزخ يفصل بين سبيلين أحدهما منته وقد وجدناه في القصة الأولى تجسد في الموت حدثا ولفظا والآخر خالد وجدناه في القصة الثالثة من خلال لفظة البعث في الأخير..
فالبرزخ هو المرحلة الوسطى إنه الحاجز والممرّ بين الحياتين أو الدارين الدنيا والآخرة وقد مثلت القصة الثانية هذا الممر المؤدي إلى تلك الحياة الجديدة …
وتستمرّ القداسة ويتواصل عالمها المهيب في القصة الثانية من خلال تضمين قرآني إذ حضرت في القصة إشارات وجدناها في قوله تعالى {وإن من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار و إن منها لما يشّقق ويخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله}
ونفس هذا المعنى نجده وقد انتشر في القصة الثانية في كلمات مثل _ الحجارة _ يتشقّق _ انبجس _ ونفس تلك المعاني القدسية تتواصل في القصة الثالثة منذ عنوانها _ انفجار الماء  _
إن هذا النفجار وذاك الماء ينسجمان مع معاني الرحيل وقد كان أبو هريرة في قصة المسعدي كالماء يجري لا ينقطع عنه الرحيل والمعجم يؤكد هذا المعنى _ ترحلان _ الميناء _ المراسي _ هي رحلة وصول الى الدار الآخرة إذن و هي آخر المراحل حيث يبعث الناس فيها من جديد و يعودون إلى الصورة الأولى كما لو كانت لحظة ولادة يستقبلون فيها العالم الجديد بعراء مادي و معنوي و في آخر القصص ما يدل على هذا المعنى _ متجردين _ العري _ من تحت وشاح .

الدلالة / الدال من الخارج
إنّ كل تلك المعاني رأيتها في النص الثلاثي هذا و هي تبدو لي قريبة فيها بعض من وضوح أما المعنى الببعيد الذي يمكن أن يأخذني إليه النص فهو حضور مراحل انبثاق الفكرة و انعتاقها من عالم التنظير إلى عالم التطبيق في الواقع فالفكر يمرّ بحالة شبيهة بالموت و الاحتضار هي حالة جمود عبّر عنها الحجر في القصة الأولى هو الثبات و عدم الحركة لعلّه الهدوء الذي يسبق العاصفة أو هو الرماد الذي يخفي لهيبا و في القصة الثانية بعث وانبثاق للفكرة ووميضها إنها مرحلة مخاض ينتظر ولادة و بعثا وجدناه في القصة الثالثة وقد انفجر الماء وما رمزية الماء الا حياة وخصوبة وأمطار من ضوء للفكر و الكلمة انه الإرساء بعد حالة ضياع و موت و ما تلك الكآبة التي انغلق بها النص إلا عراقيل وصعوبات تعترض صاحب كلّ فكر جديد أمام أناس قد تحجّرت آذانهم و أذهانهم فهم موتى _لا يفقهون…

الخاتمة:
كانت الشخصية القصصية التي ابتدعها الكاتب، رموزاً لأفكار. ونحس بنبض الإنسان المختصم مع ذاته، المتصارع مع وجوده، ليصوغه من جديد بانسجام،  صحيح أن الشخصيات القصصية خالمة خيالية ولكنها تحمل قسمات كقسمات الشخوص التي تنضوي في شبكة علاقات اجتماعية معقدة، وتتنازعها تيارات ومواقف وأفكار وأحلام غاية في التعقيد… دمت مبدعا أستاذ حمد الحاجي …

السابق
الشيخ والغواية
التالي
الرفيق ديونيسوس

اترك تعليقاً

*