القصة القصيرة جدا

جثةُُ وامرأتان

فم مفتوح، رأس عارية، يدٌ على الصدر، ثقبان من دم بالخاصرة تحت شمس عالية، يستفيق… يقف.. يتقدم.. وفي زرقة سماء الصيف ، يسير، عبر الدروب الوعرة، مثخنا بالجراح يمضي مستسلماً لحفيف السنابل. يطأ العشب الندي، تؤلمه الرطوبة، يصيح..
– لا بدَّ لي أن أصل..
بينما ترك الريح تلعب برأسه العارية لبعيد مثل بوهيمي.. سعيدا، كان.. يفكر بامرأتين..
….. ويمرر عليه الليل سدوله.. …ويرخي .. على مشارف القرية، التي تركها مغادرا منذ عام، لجبهة القتال، ظلت خلفه تأكل غبارها. تحلل جثث أهلها تحت الهاجرة، حتى مزاريبها تفتّتها جرذان الصدأ.
لم تفارق دبَّابات العدو.. دائما تخطر كذباب يمرح في مبولة حانة قديمة.. ثمة، ساعة لا تدق. وكاتدرائية تهبط و بحيرة هناك تصعد، واستوت بعينيه مئذنة عالية…
ثمة عربة صغيرة مهجورة في الحرش، مزينة بالشرائط المزركشة، تجرُّها فرقة من الصغار مقنعين بأثواب التخفي والتمثيل.. أسرعوا إليه ..
– من الجبهة ، كيف حال رفاقك..
استند على اثنين منهم ، حمله كبيرهم زقفونة ..
… متألما.. … بين اثنين .. لكن مازال حيَّا..
.وغاب..
منسحبا بين الأزقة المنتنة، يجر ساقيه وروح الرعب تقترب من أطرافه. أوصله الاطفال، هناك استند إلى خشبة الدار المحروقة، البوابات ذابلة، غائمة مثل كؤوس الكحول الفاترة. كاد يسقط بين إغفاءاتين و استيقظت أكثر الأحلام كآبة.
ناضجاً للموت تقوده رجلاه إليها.. من النافذة، يرقبها، عارية، متجردة مما يسترها، تخفيها أشجار حانية وارفة، تضرب بأوراقها بلورالنافذة.. جالسة في كرسيّ ضخم، شابكة يديها، في منتصف العري كانت ترتجفان ، على أرض الحجرة، تهتزان بحرية، قدماها الرائعتان الراعشتان.. باهتة صورتها خلف الشمعدان،
وبين طقطقة أخشاب تحترق بمدفأتها، يذهب وجهها ويجيء.. شعاع رفاف يتسكع على وجنتيها، يرفرف في بسمتها.. وعلى رقبتها الملساء تتسكع ذبابات شال وردي.. ترفعه وتنزله.. نهداها، من تحت القميص الشفاف يرتعشان كعصفور تحت زخات المطر.. دلف ، وبحضنها ارتمى منهكا غائر العينين .. قبَّلها بلطفٍ بين عينيها الواجمتين ..دفعتْ رأسه إلى الخلف…
– وآو .هذا أنت.. حيَّا..!.
أسرعت الأمُّ .. تطبع بقية قبلاتها الضاحكة.. ومازالوا يضمِّدون جراحه.. يفكُّون أزرار بزَّته العسكرية، وينزعون شظايا بأطرافه.. حتى دوَّت صيحة ..
على اثرها تفتَّتت أجسادهم.. بلورا وأدخنة وأغبرة وأغاريد وحبات من كرستال .. منفجرا.. سقط البيت على عاشقيه..

السابق
عالم آخر
التالي
قراءة نقدية في نص “جثة وامرأتان”

اترك تعليقاً

*