القصة القصيرة

جدار ناري

زحف ككتل الرمال الصحراوية المتراصة المنسابة عبر كل المسامات ، مستجمعا شيئا من قواه . تراءت له صورة الماضي ؛ توقف قليلا ليختليَ بها غمرته ابتسامة مخلوطة بقهر ، تنهد أحس ّ شجون الأمس تلسعه كنار لايراها ، ترسل شررَها فتحرق ما تشاء وتسري كيفما شاءت . أوغل فيه تمنى لو بإمكانه أن يصحح شيئا من مواقف الأمس ، حدث نفسه : ليتني أستطيع تعديل بعض الجمل والكلمات! استطرد: لماذا قلتها ؟ من أين اكتسبتُ كل تلك القوة ، وكيف هجرني العقل ؟.
التفت نحو قرص الشمس الحارق ، أسقط عليه شيئا من خياله ، رفع عمامته فبانت قطرات العرق على جبينه ، أشار إليها : خبريني يا شمس هل العقل يهجر مثل القلب ؟ !!
أصدر صوتا مصحوبا بقهقة متحشرجة ، اتكأ على كتل الرمل المحيطة به ، نظر نحو سيارته التي عجزت عن إكمال مسيرها ، في حركة عشوائية استل سيجارة من جيبه المدسوس في أقصى صدره ، نفخ فيه سرعان ما التهمها ، تلاشت وظل ريحها … امتد بصره عبر فسيح الفضاء، الأصواتُ تلاحقه ، النظرات ، حديث زوجته التي عيّرته بأشياء لايحب تذكرها؛ كانت جميلة ، وكان هو أسود!
نعم أنا أسود .. وهي بيضاء متوهجة البياض كالشمس في عينيها يسكن عالم ؛ أما في عينيّ تسكن ذكرى وألم !!
تعمق نظره في بطن الصحراء : نفث شيئا من آهة …
تريد كل شيء كلما اقتربتُ منها صدّني ذلك الجدار !!
ها هي اليوم تخلو وحيدة ، لعلها تهاتف صويحباتها- الآن – ؛ وتخبرهن أن عنترة خرج ليجلب النوق البيض ، هأنا أضاجع صحرائي وشمسي تنظر إليّ بعينين حانيتين ؛ أما سيارتي ليست كحصان عنتر…عنترة هو من يقود حصانه ، أما أنا .. أصدر ضحكات متتالية ارتفع معها جسده وهبط حيث الحسرة ، استلقى على ظهره ، شعر أن الكون من حوله جدارٌ ناري ؛ حيثما انطلق صدّه ذلك الجدار….

السابق
بياض …
التالي
متحورون

اترك تعليقاً

*