مقالات

جدلية الجانب المادي و الروحي في الإنسان

(تتشبع الكرش كتقول للراس غني ) تعني( عندما يشبع البطن يقول للرأس غن)رائعة هذه الحكمة بكل المقاييس ،فروعتها في عميق معناها وجميل مغزاها وبساطة تركيبها ، فهي تكاد تضع الأصبع على موضع الجرح من تفاعل جانبين أساسيين في شخصية الانسان : جانب مادي و جانب روحي ؛ إذ يؤثر هذا في ذاك ويتفاعلان تأثرا وتأثيرا ، وهذا ن الجانبان لا يقتصران على الإنسان فحسب وإنما يشملان جميع الكائنات الحية . و من خلال هذا التفاعل تكاد شخصية الإنسان تظهر في أبهى تجلياتها وفي أكمل صورها ، فالإنسان وهو يحلق في حياته اليومية أشبه با لطائرة في طيرانها ، ومادامت الطائرة لا تقوى على التحليق مكسور أحد جناحيها ، فالإنسان كذلك لا يمكنه أن يعيش بجانب دون جانب آخر !
فالتغذية المادية الناجعة ، الفعالة ، يفترض اكتمالها تغدية روحية ، ولن أدخل هنا في مناقشة هذه التغذية الروحية على المستوى الديني ، إذ يبقى هذا الجانب من أهم ما يحتاج إليه الإنسان لكونه منه يستمد راحته واطمئنانه النفسي .
وإنما سأركز على التغذية الروحية / الفنية / التعبيرية والتي بدونها سيختل تحقيق التوازن ويصيب الإنسان نوع من الاضطراب الذي سيخلخل شخصيته السوية !
فالجانب الروحي والمادي ، متكاملان:فالمادي ديدن أسباب الحياة والوجود والبقاء بشكل عام ،من إشباع للحاجيات المادية من أكل وشرب وتلبية للغرائز على اختلاف أنواعها و التي فطر عليها الإنسان ، والحكمة في هذه القولة ، كون الرأس لا تغني إلا عندما يشبع البطن ، فيتوقف الغناء على تحقيق الشبع المادي ، فالجائع لا يمكننا أن نطلب منه الغناء ،ما لم يضمن أسباب الحياة أولا ! ثم بعد ذلك يأتي الغناء والرقص ! ويمكن أن نجمل الجانب الروحي على المستوى الفني ، في كل الفنون التعبيرية التي تختلف من حيث الوسائل والأسباب والغايات ، كما تختلف من حيث أشكالها ومضامينها . فالرسم مثلا كشكل تعبيري يؤدى بالألوان والريشة .والرقص بحركة الجسد وكل أعضائه ، والنحت كفرع من فروع الفنون المرئية يعتمد على خلق المجسمات وغايته مثل الرسم لا تخرج عن مظاهر الحياة و محاكاة الطبيعة في أبهى صورها وجمالها . والموسيقى وتعتمد كذلك على الأصوات والإيقاعات ذات السكوت في فترات زمنية ، وهي مؤثرة و تختلف باختلاف الظروف والملابسات التي تعزف فيها هذه الموسيقى فموسيقى العساكر تحفز وتستنهض الهمم وتختلف عن موسيقى الغناء في الأعراس مثلا ، . وترتبط الموسيقى ارتباطا يكاد يكون عضويا بالغناء وحتى بالرقص إن بشكل مباشر أو غير مباشر .
ويمكن أن نعطي أمثلة بسيطة عن هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي ، ففي مجال الموسيقى والغناء يتجلى في كون إيقاعات الحادي تجعل العيس تبالغ في المشي، فتعبر الصحاري دون كلل أو ملل . والأغنام تمعن في الرعي والشرب عندما تطرب لشبابة الراعي وتنتشي بأنغامه ، والطفل يعزف عن الأكل فتغني له أمه أنشودة أو أغنية . فيطرب لها طرب السكران بلا سكر ، فتعود إليه حيويته ونشاطه ورغبته فيقبل على التهام الطعام . وقس على ذلك بالنسبة لباقي أجناس الفنون التعبيرية الأخرى، كالمؤدى بالكلمة كما هو الشأن للأدب بفرعيه : بشعره ونثره . وهذا التأثر والتأثير كما سبق يظهر حتى في نفسيات الكائنات الحية الأخرى . إذ يجف النهر ويغيص ماؤه . وتخبو أسباب الحياة فيه ،وتتلاشى فتعمه الكآبة فينقطع التغريد والغناء و تهمد شطحات الصراصير. إذ يؤثر نقصان الجانب المادي على ما هو روحي أو بعبارة أخرى ما هو تعبيري . لكن العزف والغناء سيستأنف بعد حين ، عندما تزهر الورود وتورق الكروم ويمتليء النهر بماء الحياة حتى التخمة. وما قلناه عن هذه الكائنات الحية نقوله وبتركيز على الإنسان .إذ يخضع لهذه الجدلية بين الجانبين : المادي والروحي ، فاختلال الجانب المادي يؤثر سلبا على الجانب الروحي للإنسان ، فنلاحظ في هذه القولة الرائعة أن الغناء يتوقف على تلبية الحاجات المادية ، أيضا أنه إذا طغى الجانب المادي على الإنسان اختل التوازن ،وتشظت الذائقة والذوق الجمالي والفني الذي ترتبط به الفنون التعبيرية أساسا ارتباطا وثيقا ، نظرا لكون الذوق والذائقة من أسباب استساغة ما من شأنه إشباع حاجيات الإنسان الروحية من كل ما هو فن جميل راق ، يرفع الإنسان درجات ، ويمنحه التغذية الروحية الناجعة و التي اختلف في شأنها ، إذ هناك من لا يعتقد بضرورتها ، لكننا نعتقد العكس ، إذ منذ فجر التاريخ والإنسان يبحث عن أسباب ووسائل إشباع حاجياته الروحية ، ففكر واعتقد وغنى ورقص وطرب ، وإلا لكانت هذه الفنون التعبيرية وليدة عصر من العصور أو فترة زمنية من الفترات !
لكنها يمكن أن تختلف من حقبة إلى أخرى من حيث تطور الوسائل وطرق التعبير ،أما الجوهر فانه تابث يخترق بشكل من الأشكال ، الأزمنة والعصور ، فما استغنى الإنسان يوما عن إشباع جانبه الروحي واكتفى بجانبه المادي، وأعتقد شخصيا أن الرغبة في هذا الإشباع الروحي هي العمود الفقري لأي إبداع بشري بمختلف أنواعه وضروبه وبمختلف ملابساته التاريخية إن كان خلقا أو فقط تقليدا للطبيعة والمحيط الذي يعيش فيه ، فقد عشق الدندنة ، فكانت الموسيقى ،فأثرت في نفسه تأثيرا كبيرا فكانت الحركة رقصا ، وعشق تمثل المظاهر الطبيعية وأغرم بجمالها فكان الرسم والنحت ، ورغب في التحليق بعيدا عن واقعه المادي الذي يضيق به درعا فكانت الكلمة ،فجسدها في أرقى أنواع التعبير عن هذا الجانب الروحي فكان الأدب ، بشعره ونثره ، وأعتقد أن تغليب جانب على آخر قد يحدث شرخا في نفس الإنسان ! فما دام كل ماهو مادي لا يمكن الاستغناء عنه أبدا ، فإن سيطرته تؤدي إلى فقدان الذائقة والذوق الجمالي عند الإنسان ، ونلا حظ ان هذه المعضلة ، تستحوذ على إنسان العصر الحديث ، عصر التقدم العلمي والتكنلوجي الذي طغى بشكل منقطع النظير ، فضعف مستوى الذوق ، واختلت الذائقة الفنية !
نؤمن بأن لكل عصر رجاله وذائقته وذوقه ، لكن التمادي في كل ماهو مادي بدأ يؤثر بشكل سلبي على كل هذه الفنون التعبيرية ، إذ أصبحنا عصر سرعة وانتشار المعلومة كوميض البرق ، وأصبحنا ندبر كل أوقاتنا في كل ما هو مادي ونحني الرأس للسرعة التي تجتاحنا و التي تمكنت منا فكانت النتيجة أن تضررت هذه الفنون التعبيرية بشكل كبير ، فتقزمت القصيدة الطويلة الملحمية إلى شذرات شعرية التي قد تشبع جوع إنسان مستلب بالسرعة ، وقس على ذلك بالنسبة لباقي الفنون الأخرى فبدأت القصة تتقزم قصيرة جدا ثم ومضة أو شذرة أو ما شابه ذلك ، وربما في القريب القريب سننتج [الميكروقصة] ، فهذه الفنون التعبيرية يجب أن تواكب هذه السرعة الجنونية التي لم تعد تترك للإنسان الفرصة ليلتفت خلفه ، وعدم مواكبة هذه الفنون التعبيرية بجميع أنواعها لهذا الإفراط في السرعة ، يعني زوالها وانقراضها ، فنصبح كالطائر مكسور الجناح فنحلق بجناح واحد ، فالقصيدة من حيث الأهمية أصبحت كالوجبة السريعة ، أي الأكلة [السندويتش ] لأن الوجبة الدسمة لم يعد لها وجود في قاموسنا الذوقي الذي تحكمه هذه السرعة المفرطة في كل أنماط الحياة ، ربما أصبحنا نكتفي بقراءة البدايات والنهايات في كل الفنون التعبيرية . لم يعد لنا الوقت الكافي لنكمل قصيدة أو شريطا سنمائيا أو قصيدة شعرية ، أما قراءة كتاب فإني أستبعدها إلا ما قل من قراء لا زالوا يحملون هذا الهم المعرفي ، أ هي السرعة اذن والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي اجتاح كل مناحي حياتنا وأصبح متحكما حتى في وسائل التعبير عن الجانب الروحي فينا ، وساهم في خلق [ذوق خاص] ، و[متلق خاص] ، و[مبدع خاص] ، فالذوق لم يعد يميز بين الألوان، تساوت فيه كل ألوان قوس قزح ، والمبدع أصبح مجبرا على مسايرة ركب التقدم الحضاري والتكنولوجي ، ليبدع ما يلبي حاجيات متلق من طينة خاصة تحكمه السرعة التي تكسر الرقبة ، والمتلقي بدوره أصبح يفرض شروطه لقراءة النص الأدبي أو الاستماع الى أغنية أو قطعة موسيقية لا تراعي هذا العامل ، واعتقد أن خير مثال يمكن أن نستدل به هو أن المتلقي أصبح محكوما بهذه المعضلة الخطيرة : مرة قيل لي ، لماذا لا تختصر قصصك ، اكتب ما يستطيع القراء قراءته ، فالطول يعوق القراءة ! ومرة قيل لي : إن نصوصك ومقالاتك طويلة جدا ولا تصلح للنشر الالكتروني ، فأصبح المبدع تحت رحمة شروط القاريء السريعة لا يستمع آلا للقطعة الموسيقية السريعة ، ولا يقرأ إلا الشذرة السريعة ، ولا يأكل إلا الوجبة السريعة ، فما كان طويلا من إبداع أولى به سلة المهملات بهذا المنطق السريع وهذا التفكير السريع في هذا العصر السريع! يتضح لنا إذن مدى اختلال التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الانسان إذا غلبنا أحدهما على الآخر !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
انتصار
التالي
جَذَبَ يدي

اترك تعليقاً

*