قراءات

جدلية الحضور والغياب في القصة القصيرة “ترنيمة الغائب”

للكاتب مختار أمين

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مقدمة:
تمثل ثنائية الغياب والحضور والدلالات المتولدة عنهما مدخلاً إلى فك الارتباط عن القصة القصيرة . ذلك ان فك الارتباط هذا يقود السارد أولاً لمعرفة ذاته، ويتيح للقارئ تدرجاً في إدراك القصة وسردها والولوج الى عميق معانيها .وسأحاول في هذه المتابعة تجاوز مستوى القراءة الأولى، أي مستوى المستلذة بالنص البكر ، آخذة النص على وهلته الاولى ، إلى قراءة ثانية تحاول سبر الدلالة والمدلول ، وأخيراً أنتهي إلى مستوى ثالث من القراءة، وهو مستوى القراءة “الخبيثة”، أو الكاشفة، وهي التي تعمد إلى “التنصُّت ” على “نوايا ” السارد، أو ما يسمى الميتا معنى، إن جاز القول والفصل.

أوَّلا: أصل الفقدان، الحضور / الغياب
يعتبر الفقدان من أكثر المعاني تواترا في الأدب العربي قديمه و حديثه بل نكاد نجزم بأنه المنطلق لأغلب الأعمال الأدبية. أليس الأدب كما يقول المسعدي مأساة أو لا يكون؟
فالغزل مثلا ينطلق من الاحساس بالفقد ولوعته عندما يطالعنا الشاعر واقفا باكيا على أطلال حبيبة فقدها وقد نأت عنه مرتحلة.
والرثاء يقوم أساسا على فقدان بالموت، وحتى المديح ينطلق شعراؤه من رغبتهم في التكسّب وفي سد نقص مادي هو أساسا ضرب من ضروب الفقدان.
أما عن الفقدان في النثر فهو مبثوث منذ القص القديم الناقدِ لواقع فقد قيمه، لاحظ الكاتب أنها قد اهترأت و فقدت بريقها.
والفقد في الأدب الحديث حاضر في الأشعار الوطنية مثلا و الأدب عموما : الواقعي و الذهني..
وانّي أرى أنّ هذا الموضوع متشعب يحتاج منا الى بحث أعمق و دراسة أشمل ..وإنما قد اتخذت من الفقد مدخلا لقراءة نص الأستاذ مختار أمين لأنني رأيت أنّ هذا المعنى أيضا مبثوث في قصته منذ عنوانها… ” ترنيمة الغائب ”

ثانيا: عتبة النص 
العنوان: يتكون العنوان من كلمتين بينهما نحويا علاقة اضافة فالمضاف هو ترنيمة والمضاف اليه هو الغائب وقد شكّلا معا لحنا شجيّا باعتبار أن الترنيمة تنتمي إلى عالم الموسيقى والأنغام و الطرب وحسن الصوت، فرنم هو من الأفعال التي نستعملها للطيور الصدّاحة..
أما الغياب فهو الأساس في الشعور بالألم من الفقدان كتجربة من أقسى تجارب الحياة فكيف تجتمع البهجة القادمة من الترنيمة وعالمها الجميل بالأحزان المجسدة في لفظة الغائب و عالمها الحزين؟ ثم من هذا الغائب؟ أهو بعيد عن الوطن هزّه الشوق و الحنين الى أرض ساكنة في المقل؟ أم هو حبيب قد راح عنا و غفل… ؟ أو لعله أحد الغوالي قد ترك الحياة وأفل؟

ثالثا: الميتا معنى
يحضر قطبا العلاقة الغرامية الرجل والمرأة في مستهلّ نص ترنيمة الغائب ليكتمل النشيد أليس هذا الثنائي هو من وضع أسس الشعر و القصيد؟
ومن خلال ضميري هو وهي يتضح ذاك الحضور حتى في الغياب …
إن أول مشهد في النص يحيلنا مباشرة على حدث عودة غائب عن الأرض و الوطن ..
إذ يمسّ جبينه الأرض مقبّلا الترب
هي عودة تذكرنا بقصيدة لأمير الشعراء شوقي حين يقول:
سبقن مقبّلات التّرب عنّي ***** و أدّين التحية و الخطابا
و قوله أيضا :
ويا وطني لقيتك بعد يأس****** كأنّي قد لقيت بك الشباب
هكذا تغدو المرأة في الأدب الحديث رمزا للأرض فتصير أوطان الشعراء حبيبات و معشوقات يستعملون للحديث عنها معاجم غزلية عذرية أحيانا اباحية أحيانا أخرى
كما في نص الأستاذ مختار أمين: ففيه حضور مكثف للاباحية معنى و معجما مثلا :
منيّ _رحم _جسدها _اهتزّت _شوق _شفتيها…
ومن خلال هذا المعجم ..تتجلى تجربة الجسد لنتبين حالة الانصهار والذوبان التي يصل إليها العاشق عند الظفر بلحظة وصال هي العودة إلى الوطن والارتماء بين أحضانه في مشهد انتشاء يذكرنا بعناق حبيبين يلتقيان ذات شوقِِ..
أما المراة التي عبر عنها الكاتب بضمير هي ويقصد الحبيبة / الأرض فتتفاعل في تجربة العشق تلك إذ تهتزّ و تغمض عينيها وتستسلم شوقا للبوح و القبل ..
ألا تحس الأرض بالحب ألا تعشق أبناءها المخلصين لها ؟
اولئك الذين يفدونها بدمائهم وأرواحهم ؟
يقول الشابي في احدى وطنياته :
لا أبالي و ان أريقت دمائي *** فدماء العشاق دوما مباحة ..
هؤلاء العشاق هم الذين يساعدونها على غلق النوافذ و الأبواب أمام ” عابري السبيل”
ولعل المقصود “ب: عابري السبيل” هنا المستعمر أو كل من يريد شرا بالبلاد و العباد هو في شرع الوطن عابر سبيل وأولئك المبعدون الغائبون هم الحاضرون رغم الغياب ..لأنهم هم الأوفياء والأحباب.
ويبقى للشهيد عند الوطن مكانة خاصة و تظل صورهم عالقة بالذهن و الوجدان معلقة في كل مكان
ولعلنا قد استنتجنا هذا المعنى من قول الكاتب:” اطار ـ صورة الغائب ـ تحتضن الاطار المبلل ” ….. علّه بلل الدموع عند تذكر المشتاقين الى الغائبين …
وها هي الأرض تفتح أحضانها لتستقبل أبناءها ولا تتركهم يطرقون الابواب ….
الى متى تنتظر و ينتظرون؟
هذه الترنيمة الأولى لنص ثري فيه ترجيع لأعذب الألحان هي ألحان تغنى بها عاشق للأرض..
و تتتالى ترنيمات كثيرة للدلالة على رمزية ال(هي) في النص… فاذا قدرنا فيما سبق أن لقاء الغائب قد كان بين عاشق ووطن معشوق، فاننا يمكن أن نفهم أيضا أن ال(هو) في النص عاشق يعيش فقدا ماديا و معنويا لحبيبة فارقته بالموت فتركته في عتمة بين الأحياء…
و ما ذاك اللقاء إلا شكلا من أشكال التعويض النفسي فالانسان الشقي في الواقع باحث أبدا عن سعادة بديلة في عالم الأحلام و الخيال… فهويستحضر لحظات نشوة ماضية من خلال عملية التذكر أو يستعيض عن البين بالوصل وعن الغياب بالحضور… في عالم يؤسسه بنفسة ليشكّل منه أجمل لحظات الالتحام و الانتشاء…
ان في مشهد الجبين و قد مسّ الأرض سجودا في حضرة الموت و الغياب الحتمي
و هو شكر لله و استسلام لارادة القدر
ولعلني أبيح لنفسي هنا أن أفهم من عبارة (رحم طينها) عودتها و عودتنا جميعا الى البدايات..
ألم يخلق الانسان من طين ثمّ اليه يعود ؟
أليست غرفتها الضيقة تلك هي اشارة الى القبر؟
أخيرا.

الخاتمة
هكذا ضاق بصاحبنا المقام كما تضيق دنيانا بعد رحيل موتانا.. و هي الغائبة/ المرأة / الوطن الحبيبة/الحاضرة … كما ورد في آخر النص ( تنام في كامل زينتها) نومة اللحود و مهما علا الطرق على باب قبرها فلا يسمع الطارق الا الصمت… و لا تفتح الأبواب الا كي يلتقي الأحباب في عتمة غياب ، جعلها الكاتب ضوءا أو بعضا من ضوء .. هو لقاء أبدي لا ينتهي و حب باق في الروح …عطره عالق في الجسد و ترنيمة عشق تتواصل أنغامها فيتفاعل معها الجميع الحاضرون و الغائبون و الغائبون الحاضرون.

السابق
إرتواء
التالي
قراءة تحليلية في نص “نآكل”

اترك تعليقاً

*